الاثنين، 31 أغسطس 2009

المجتمع الدولي International Community :

حول مفهوم المجتمع الدولي :
يمكن القول بأن " المجتمع دولي " هو: مجموع تلك المجتمعات السياسية الفردية التي تشكل في النهاية ما يمكن أن نطلق علية مجتمع الدول أو الأمم Society of Nations . وتتكون كل واحدة من تلك المجتمعات السياسية التي تُسمى بالدولة القومية Nation State من شعب وإقليم وحكومة واقتصاد ، هذا في إطار شخصية لها ذاتيتها القومية المميزة أو ما يحلو للبعض أن يسميه بالثقافة القومية التي تساعد على توحيد هذا المجتمع في مواجهة غيرة من المجتمعات القومية المنافسة (1). وهم يعنون بهذه الثقافة الموحدة Unifying Culture منظومة القيم والتقاليد والأعراف والعادات التي تشارك فيها أفراد هذا المجتمع وتغذي فيهم الشعور بالانتماء إلى مجتمعهم في ظل إحساس عام مشترك بوحدة الهدف و المصير. وقد أطلق أساتذة العلوم السياسية والعلاقات الدولية على هذه الثقافة الموحدة مصطلح الشخصية القومية National Character التي ينسبون إليها العديد من التأثيرات الهامة خاصة عندما يتعلق الأمر بالاستجابات السلوكية لهذه المجتمعات السياسية في محيطها الدولي الاجتماعي الأوسع .
من هنا يمكن القول بأن هذه العناصر الأساسية الأنفة الذكر تشكل في مجموعها مقومات وجود الدولة ، وبدون توافرها بصورتها الكاملة ينتفي شرط قيامها كوحدة مستقلة وفاعلة بالمجتمع الدولي الذي يجمعها بغيرها من الدول (2).
وعلى الجانب الآخر ، فانه يمكن الزعم بوجود مجتمع دولي حقيقي عندما يتاح له أن يضم في عضويته هذه الدول القومية ، وضمن هذه العضوية تحظى بعض الدول دون غيرها باعتراف دولي واسع بأنها دول كبرى ذات قوة ونفوذ مكانة و تأثير . ويتحقق انضمام أي دولة إلى المجتمع الدولي بالمعنى الذي أشرنا إليه بعدة طرق ووسائل منها :
1. أن تصدر الدولة تصريحاً سياسيا تعبر فيه عن رغبتها في الدخول إلى عضوية المجتمع الدولي كما تتعهد باحترام ما يفرضه عليها هذا الانضمام من التزامات ومسئوليات دولية . ويطلق على هذا التصريح عادةً Policy Declaration .
2. أن تقدم الدول الأخرى اعترافها الدبلوماسي بهذه الدولة الجديدة مما يعني الإيذان لها بالدخول في عضوية المجتمع الدولي بكل ما يترتب على هذه العضوية من نتائج وآثار دولية سواء بالنسبة إليها أو بالنسبة لغيرها من الدول .
3. دخول دولة إلى المجتمع الدولي كوريث لدولة أخرى سابقة عليها اضمحل كيانها السياسي وتجزأ لسبب أو آخر ، واعتراف الدول الأخرى بها كوريث لها ، إما اعترافاً شرعياً قانونياً أو اعترافاً واقعياً بصرف النظر عن شرعيته القانونية (3).
وأيا ما كان الأمر فان القانون الدولي بما يتضمنه من قواعد ومعايير وأحكام قد أرسى الأسس التي يستند إليها الاعتراف بالدولة ككيان مستقل ذات سيادة وطنية كاملة وغير مشروطة ، فهو يحدد شروط هذا الاعتراف الدبلوماسي والصور التي يمكن أن يتم بها أو يتمثل عليها والتي بها تتحقق الشرعية الدولية لتلك الكيانات السياسية المستقلة .
وعلى الرغم من أهمية الاعتراف الدبلوماسي بالدولة من قبل غيرها من الدول الكائنة في المجتمع الدولي ، إلا أن هذا الموضوع بالذات كثيراً ما يشوبه نوع من سوء الفهم مما يثير الكثير من الجدل الدولي حوله ، ومن ذلك على سبيل المثال : هل يعني سحب الاعتراف بالدولة من قبل غيرها من الدول أن هذه الدولة لم تعد قائمة أو أنها فقدت مبرر وجودها في هذا المجتمع الدولي ، حتى وان كان الهدف من سحب الاعتراف هو إظهار تلك الدولة بمظهر الخارجة على القانون (Outlaw) وأنها لم تعد تبعاً لذلك مؤهله للتحدث باسم شعبها مع الدول الأخرى الأعضاء في المجتمع الدولي ؟ ومن الأمثلة التاريخية البارزة لذلك ، رفض الدول الأوربية الملكية الاعتراف بشرعية النظام الثوري الذي قام في فرنسا في أعقاب ثورتها الكبرى عام 1789م (4). إن على الإجابة على التساؤل السابق تكمن في أن هذا الإجراء بسحب الاعتراف كثيراً ما أسئ استخدامه لأغراض سياسية ، وان كان لا يرقى من الناحية القانونية إلى مستوى إنكار وجود الدولة ككيان فعلي وقائم وله حضوره في الحياة السياسية الدولية .
وإذا تركنا الجانب المتعلق بالاعتراف الدبلوماسي إلى الجانب المتعلق بطبيعة الوضع القانوني (Legal Status) الذي يتقرر للدولة من جراء عضويتها في مجتمع الدول ، فسوف نجد أن القاعدة المستقرة التي يأخذ بها القانون الدولي هنا ، هي أن كل الدول تتمتع بنفس القدر من السيادة و المساواة حتى وان تباينت تلك الدول عن بعضها في أحجامها وتعداد شعوبها ورقعتها الجغرافية ونوع حكوماتها ومستويات نموها الاقتصادي ... الخ ، فالدولة متى حصلت على هذا الاعتراف القانوني بها أصبح من حقها أن تمارس اختصاصها بموجب صلاحيات السيادة المقررة لها والمعترف دولياً بها ، على كل ما يجري داخل إقليمها دون أن يكون لقوة أخرى خارجية أي سلطان عليه (5).
وبعيداً عن هذه المساواة القانونية التامة التي يكفلها القانون الدولي لكافة الدول في كل ما يتعلق بأمور السيادة والصلاحيات المترتبة عليها ، فان الدول من الناحية العملية الواقعية تتفاوت كثيراً فيما بينها من حيث مستويات القوة والتأثير والنفوذ الذي تمارسه في مواجهة بعضها البعض ، وهي ظاهرة يطلق عليها Gradations of Power and Influence أي " تدريجات القوة والتأثير "، وتلك بديهية مستقرة و لا خلاف عليها في قاموس السياسة الدولية . وربما لهذا السبب تسمى الدول أحياناً بالقوى (Power) ، فيقال القوى الكبرى ، والقوى المتوسطة ، والقوى الصغرى ، .. الخ ، وقد كان التعبير المستخدم في السياسة الدولية حتى نشوب الحرب العالمية الأولى هو تعبير القوة العالمية World Power كمرادف لبريطانيا التي كانت توصف بأنها الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس . أما بعد الحرب العالمية الثانية فقد توارى هذا التعبير ليحل مكانة تعبير القوة العملاقة أو العظمى Super Power للدلالة على دولتين اثنتين بالذات هما الولايات المتحدة و الاتحاد السوفيتي . وكان استخدام هذا التعبير الجديد يعكس الاعتراف العالمي الواسع بأن القدرات الجبارة و المتناهية الضخامة التي تمتلكها هاتان القوتان العملاقتان تجعلهما قادرتين على التأثير في مجريات الأحداث والوقائع الدولية على اتساع العالم بأكمله ، وبصورة تخرج تماماً عن نطاق القدرة المتاحة لأي دولة أخرى(6) .
وبالتالي فان مفهوم المجتمع الدولي وفق ما جاء في تعريفنا السابق له هو : المجتمع الذي ينتظم كافة الدول في عضويته ، وهو الذي يمنحها الاعتراف ، كما أنه يتعامل معها جميعاً على قدم المساواة دون تفرقة أو تمييز ، وهو الذي يقر لها بصلاحيات السيادة الوطنية الكاملة وغير المشروطة على أراضيها . هذا على المستوى المثالي أما الواقعي فانه يختلف لاشك .
* أسباب ظهور مصطلح " المجتمع الدولي ":
من خلال متابعة التطور في حقائق وموضوعات العلاقات الدولية والتطور في طرق إدراكها وأساليب البحث والتحليل حولها ، توصلنا إلى أن المنظومة المفاهيميه السائدة في كل مرحلة يكون انعكاساً لطبيعة وحقائق وسمات هذه المرحلة ، حيث تعاقبت الاتجاهات في فهم وتفسير العلاقات الدولية بدءاً من مرحلة الواقعية الكلاسيكية وحتى منتصف الخمسينات ، ثم مرحلة السلوكية طوال فترة الستينات حتى بداية السبعينات مع بداية هذا المنظور الذي نحن بصددة والذي ارتبط بمرحلة ما بعد السلوكية (7).

منذ بداية السبعينات بدا واضحاً أن العديد من دارسي العلاقات الدولية يعبرون في تحليلاتهم عن حدوث تغيرات هيكلية في السياسات الدولية يترتب عليها عدم صحة التركيز فقط على صراع الدول حول الأمن العسكري والذي كان محور اهتمام المدرسة الواقعية ، ومن ثم بدأت تتعرض الواقعية (Rialism) لتساؤلات هامة تبرز عدم تلاؤم افتراضاتها مع النظام الدولي المتطور نظراً لبروز دور فاعلين جدد من غير الدول ، والدولة لا تعد هي الفاعل الوحيد ، من ناحية أخرى فان المتغيرات الاقتصادية بدأت تركز على فكرة الأدوار في العلاقات الدولية ومن ثم فقد طرح التساؤل بأن بعض الشركات والمؤسسات المتعددة الجنسيات ( يطلق عليها مجتمع الأعمال ) تلعب دوراً في الحياة السياسية يفوق كثيراً الدور الذي تلعبة دولة مثل المالديف مثلاً ، فكيف يمكن اعتبارها وحدة دولية وعدم اعتبار هذه المؤسسات برغم من قوتها ودورها من ضمن الوحدات الدولية ، حيث يعتبر بعض أساتذة العلاقات الدولية النسق الدولي الحالي هو خليط بين النسق الأحادي القوة القطبية والبولياركي ، التي تتعاظم فيه دور المنظمات الدولية والاقليمية والاقتصادية إلى جانب الشركات المتعددة الجنسيات والعابرة للقوميات في العلاقات الدولية بشكل يفوق بعض الدول أحياناً (8).
وهناك مجموعة من المتغيرات التي أدت إلى ظهور مفهوم " المجتمع الدولي " :
1. تطور الظروف والمتغيرات الدولية : خاصة السياسية والاقتصادية والعسكرية التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية والتي أبرزت وحتى نهاية الستينات أولوية وتفوق الاهتمامات العسكرية ، والتي أدت إلى تدعيم الانفصال بين السياسات الدولية والاقتصادية ، فخلال وبعد الحرب العالمية الثانية تمكنت الحكومات الغربية من الاتفاق على تدعيم مجموعة من القواعد و الإجراءات و المؤسسات لإدارة العلاقات الاقتصادية الدولية واستمر هذا لنظام المعروف بنظام (بروتون وودز) ولمدة عقدين متتاليين يعمل بفاعلية في السيطرة على الصراع في هذا المجال ، وقد اجتمعت في هذه الفترة ثلاثة ظروف سياسية شكلت الأسس الفعالة للاقتصاد العالمي وبالتالي ظهور مفهوم المجتمع الدولي :
أ‌- تركز القوة في يد عدد قليل من الدول الغربية : حيث مكنتها من السيطرة على هذا النظام في وقت كانت فيه الدول الاشتراكية وعلى رأسها الاتحاد السوفيتي تتفاعل في إطار نظام اقتصادي منفصل ومن ثم لم تكن تفرض تحدياً على الدول الغربية في انفرادها بإدارة النظام الاقتصادي الرأسمالي الذي اندمجت فيه بقوة في هذه المرحلة مجموعة من الدول المتخلفة .
ب‌- وجود مصالح مشتركة بين الدول الغربية : محورها الاعتقاد في حيوية إرساء أُسس التجارة الدولية الحرة من ناحية ، وفي حيوية مبدأ التعاون الاقتصادي من ناحية أخرى .
ت‌- وجود قوة سائدة : وقادرة وراغبة في القيام بدور قيادي في العالم وهي الولايات المتحدة الأمريكية (9).
2- بروز مشكلات عالمية أخذت مركز الصدارة في العلاقات الدولية : ويعاني منها اغلب دول العالم والتي كانت موضع اهتمام هامشي مثل مشكلة " الاحتباس الحراري – الموارد الطبيعية – ندرة الغذاء – الطاقة – الانفجار السكاني – ندرة المياه ... الخ " ، مع تزايد رغبات الشعوب على متطلبات النمو والرخاء أو متطلبات التنمية .
3- بروز أهمية الموضوعات الاقتصادية في العلاقات الدولية : سواء على صعيد العلاقات بين الكتلتين الشرقية والغربية إبان النسق الثنائي القوى القطبية ، أو على صعيد العلاقات بين الدول الغربية ، أو على صعيد العلاقات بين الشمال والجنوب .
4- التطور التكنولوجي والثورة المعلوماتية : خاصة في وسائل الاتصال ومجال نقل وتبادل المعلومات والتي غيرت من مضمون الفكر التقليدي في العلاقات الدولية ، وجعل الإطار العام لها هو التعاون وليس الصراع حسب رأي بعض أساتذة العلاقات الدولية.

إن الاستجابة لهذه الحقائق الدولية المنظورة تقتضي النظر العام باعتباره نظاماً من التفاعلات التي يلعب فيها فاعلون جدد من غير الدول دوراً هاماً حول موضوعات سياسية واقتصادية جديدة تخلق عمليات جديدة في النظام ، تتجه به إلى نوع من التعاون أو التكيف وليس العنف و الصراع دائماً مما أضحى مجتمعاً دولياً أو عالمياً . حيث أن المفاهيم النابعة من المنظور الواقعي التقليدي مثل ميزان القوة ، والردع والتحالفات لم يعد لها مغزى أمام اتساع محتوى السياسات العالمية الذي أضحى اهتمامها بقضايا عالمية كالموارد والبيئة والتجارة الدولية والنقد الدولي والسكان وغيرها ، وكل هذا يتطلب إدارتها درجة من التعاون الدولي ولذلك فقد تطورت الأساليب لفهم الواقع الدولي المعاصر (10).

إن منظروا هذا المنظور ( المجتمع الدولي ) يبدءون من الحالة الطبيعية الأولى كحالة فلسفية عند جون لوك ويعلنون أن العلاقات الدولية هي علاقات تعاون ( تعاون الكل مع الكل ) وليس صراع ( صراع الكل ضد الكل ) و أن هناك مصالح أساسية تدفع الدول إلى التعاون .
* البيئة الدولية و مفهوم المجتمع الدولي :
انطلاقاً مما سبق يرى هيجل أنه مادامت السيادة Sovereignty تُشكل منطلقاً لعلاقات مابين الدول ، فيمكننا القول بان بيئة العلاقات الدولية هي أشبة ما تكون بحالة الطبيعة . وكذلك يصف هوبز البيئة الدولية بأنها تشبه حالة الطبيعة حيث حرب الكل ضد الكل War of every one against every one .
واستناداً إلى هذه الطبيعة الفوضوية للبيئة الدولية ، يرفض البعض إطلاق عبارة "المجتمع الدولي" على جماعة الدول – وهي نظرة المدرسة الواقعية ، حيث يرى جورج بوردو " أنه ليس ثمة مجتمع إلا حيث توجد فكرة الحق والقانون ، وأنه نظراً لغيبة السلطة عن عالم العلاقات الدولية فلا يتصور إلا أن تكون الفوضى هي السمة الغالبة على هذه العلاقات " . أما ريموند آرون فيذهب هو الآخر إلى القول بخطأ التسمية الشائعة للجماعة الدولية بأنها "مجتمع دولي" ، ويرى أنه إذا كان لامناص من وصف هذه الجماعة بأنها "مجتمع"- رغم كون هذا خطأ في القياس – فيجب اعتبارها في هذه الحالة " مجتمعاً لا اجتماعي (11) .
و هنا تجدر الإشارة إلى مابين البيئة الوطنية ( داخل المجتمع الواحد ) وبين البيئة الدولية ( فيما بين المجتمعات السياسية ) من اختلاف في الطبيعة. فبينما تقوم العلاقات السياسية داخل المجتمع الواحد ، على أساس الأمر والطاعة ، حيث يكون للحاكمين سلطة الأمر ، ويتعين على المحكومين الالتزام بواجب الطاعة ، نجد أن العلاقات السياسية الدولية هي علاقات بين وحدات سياسية متميزة ومتساوية – قانوناً – من حيث السيادة ، ومن ثم فلا تملك أي منها سلطة الأمر ، كما لا يتوجب على بعضها طاعة البعض الآخر . وانطلاقاً مما سبق يمكننا أن نقابل بين ما بين ما تتسم به البيئة السياسية داخل المجتمعات الوطنية من مركزية وهيراركية Hierarchy وضبط سياسي Political Order ، وبين ما تتسم به البيئة السياسية الدولية من لامركزية وفوضى Anarchy ، فبينما تمارس النشاطات السياسية الداخلية في ظل "السلطة السياسية" ، تجري العلاقات فيما بين الدول في ظل غيبة السلطة Absence of Power ، ويتضح مما سبق أن البيئة الدولية بصورتها الراهنة تفتقر الى عنصر النظام أو القابلية للتنظيم .
وهكذا يمكن القول – بعبارة أخرى – أنه في حين تعتبر البيئة الوطنية بيئة "مستأنسة" بعامل الاحتكار الشرعي للقوه ، بما يتضمنه من تجريد أعضاء المجتمع من أدوات العنف ، تعد البيئة الدولية بيئة غيبة السلطة نظراً لقيامها على جمع من وحدات سياسية ذات سيادة تمثل كل واحدة منها مركزاً متميزاً لاتخاذ القرارات ، ومن ثم يمكن القول بأن البيئة الدولية تقوم على العديد من القوى المتميزة قد تتعاون فيما بينها ولكنها لا تتكامل تبعاً لتعدد السلطات فيها (12).
وفي هذا الصدد يميز ريموند آرون بين هدف كل من السياسة الداخلية والسياسة الخارجية ، على اعتبار أن الأولى تستهدف إخضاع المحكومين لحكم القانون بمقتضى الاحتكار الشرعي لأدوات الإكراه في أيدي القائمين على ممارسة مظاهر السلطة السياسية ، بينما يكون الهدف الرئيسي للسياسة الخارجية – في ظل ما تتسم به البيئة الدولية من تعدد مراكز القوة المسلحة ، هو ضمان بقاء الدولة في وجه التهديدات التي يمثلها مجرد وجود الدول الأخرى .
وفي ظل بيئة دولية هذا شأنها ، ليس من المتصور لعلاقات الدول إلا أن تكون علاقات "عداء" ، وفي هذا المعنى يقول هوبز في كتابه Leviathan : إن العداء في البيئة الدولية إنما يرتد إلى تعارض مصالح دولة أخرى ، ومن هنا تسعى الدول – مستنده إلى قواها الذاتية – إلى تبادل فرض إراداتها تحقيقاً لمصالحها الوطنية .
وهكذا فانه في ظل حالة العداء ، وفي ظل غيبة السلطة العليا عن عالم السياسة الدولي ، يكون من المنطقي أن تسعى كل دولة إلى حماية أمنها ومصالحها اعتماداً على قوتها الذاتية ، بما في ذلك امكانية لجوئها إلى العنف تحقيقاً لمصالحها القومية . ويرى آرون أن السمة المميزة للعلاقات الدولية هي شرعية ومشروعية اللجوء إلى القوة المسلحة من جانب الدول (13).
وتبعاً لغيبة السلطة العليا عن البيئة الدولية ، وفي ظل قيامها على دول متعددة ذات سيادة تعمل كل منها على حماية مصالحها القومية ، لا يتصور وجود ما يمكن أن نسميه "بالخير العام" أو "المصلحة العليا" على المستوى العالمي ، فما تراه دولة ما في صالحها يُعد – من وجهة نظرها – الخير العام الذي تسعى إلى تحقيقه باعتباره أمراً تستدعيه مصلحتها العليا . ومن ثم يكون لكل دولة أن تقرر - على حده – مدى خيرية ما تقوم به من تصرفات في ضوء مصالحها القومية . وهكذا يمكننا القول بأن عالم السياسة الدولي تحكمه " نسبية القيم الأخلاقية " Moral Relativity – ويترتب على ذلك أنه ليس ثمة "حق" مطلق أو "عدالة" مطلقة في علاقات مابين الدول . فحقوق الدول مرهونة بما يتوافر لها من عوامل القوة القادرة على صيانة تلك الحقوق وحمايتها ، فلا حق في عالم السياسة الدولي إن لم تدعمه القوة ، ومن ثم فليس للدول أن تدعي لنفسها من حقوق إلا بقدر أهليتها للدفاع عن تلك الحقوق في مواجهة تطلعات الطامعين .

وهكذا – وفي ظل بيئة هذا شأنها – لا يتصور إخضاع علاقات مابين الدول لمبادئ قيمية أو لأنماط مثالية ، كما لا يتصور أن تقيد إرادات الدول بأية قيود أو قواعد ، اللهم إلا ما تقبله أو ترتضيه الدول ذاتها ، عملاً بفكرة التقييد الذاتي للإرادة Auto Limitation . كذلك لا مناص من أن يكون الاعتماد على الذات هو القاعدة الأساسية في التعامل الدولي ، ففي ظل غيبة السلطة ، ليس ثمة ما يكفل للدول حماية مصالحها والدفاع عن حقوقها إلا باعتمادها على قوتها الذاتية ، وبالتالي ينتفي وجود "مجتمع دولي" وفقاً للشروط والأحكام التي تقضي قيام هذا المجتمع وفقاً لما سلف . وان الدعوى بوجود هذا المجتمع يمثل دعوى مثالية أكثر من كونها واقعية ، وقد يكون ذلك غطاء لأفعال غير مشروعة تنتهجها بعض الدول تحت اسم " إرادة المجتمع الدولي " كالولايات المتحدة الأمريكية في حربها على الإرهاب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر2001 ، أو في مواجهتها لإيران لمنعها من تطوير قدراتها النووية (14) .

تــعقـيـب :

أن المفهوم المثالي للمجتمع الدولي والقائم على شمولية القواسم الإنسانية المشتركة سواء الثقافية، أو الاقتصادية، بدأ ينحرف عن هذا التصور حتى لو كان الأمر يتعلق ببضع دول تشكل المنظومة الدولية والمجتمع الدولي. فنحن نرى بوضوح أن دول العالم لا تقتسم كلها نفس المصالح ، ولا نفس الأفكار والتصورات التي قد تشكل أرضية صلبة لمجتمع دولي حقيقي . فهل يمكن مثلاً الحديث عن منظومة تجمع بين الولايات المتحدة وإيران في مجتمع دولي واحد خاصة في ظل الخلافات الأخيرة بين الطرفين حول الملف النووي الإيراني ؟ أو بين بورما وسويسرا؟ وماذا عن باقي الفاعلين الدوليين على الساحة العالمية مثل الشركات متعددة الجنسيات والمنظمات غير الحكومية والحركات الإرهابية وغيرها من الأطراف التي أصبحت تحركاتها تؤثر بشكل واضح على العلاقات الدولية، لكن من دون اعتبارها جزءاً من المجتمع الدولي كما هو معروف لدى الباحثين؟ ورغم أن العالم اليوم لم يعد ثنائي القطبية وبالتالي انتفت، ولو نظرياً على الأقل، أسباب التنافس الدولي التي كانت سائدة خلال الحرب الباردة، إلا أنه مع ذلك لم يتم الاتفاق على الرهانات والمصالح العالمية المشتركة بين مختلف دول العالم. ويرجع ذلك ربما إلى غياب حكومة عالمية تلعب دور الحكَم ، أو الوسيط النزيه في حل الأزمات الطارئة والبحث عن القواسم المشتركة بين الدول لتفادي نشوب النزاعات بينها. ففي المحصلة النهائية يتوزع العالم على مجموعة من المصالح المتباينة والتطلعات الدولية المتناقضة مع الاهتمام أحياناً بالمصالح الضيقة والقصيرة المدى على تلك التي تغلب المصلحة العامة والتي هي أساس قيام "المجتمع الدولي" . لا يمكن لمجتمع دولي حقيقي أن يتبلور ويضطلع بدوره من دون وجود علاقات دولية قائمة على التعددية ، واحترام آراء الدول الأخرى باعتبارها رُؤى مشروعة. ومع ذلك يمكن الإشارة إلى نماذج متفرقة لعمل المجتمع الدولي على الساحة العالمية، لاسيما فيما يتصل بالكوارث الطبيعية، والتغيرات المناخية، أو الانتشار النووي وتفشي الأوبئة والأمراض الخطيرة التي تستوجب عملاً دولياً مشتركاً وتكاتفاً للجهود العالمية. والمشكلة أن الحدود بين الدول ، وإن كانت لا تستطيع درء الأخطار، أو منع انتقال الكوارث الطبيعية والأمراض، إلا أنها تبقى حائلاً دون صدور قرارات مشتركة تعكس وجوداً حقيقياً للمجتمع الدولي . وبرغم وسائل الاتصال المتطورة التي وفرتها التكنولوجيا الحديثة، فضلاً عن وفرة المعلومات عن المناطق البعيدة لا تزال الدول تجهل بعضها بعضاً، ولا يزال سوء الفهم متفشياً على نطاق واسع بين شعوب العالم . وبالعكس من ذلك تماماً يبدو أن الفرص الجديدة التي أتاحتها حركة العولمة وتسهيل التبادل وانتقال الخدمات ورؤوس الأموال، ساهمت في تعميق الهوة بين أعضاء المجتمع الدولي وزرعت الفرقة بينهم بسبب التفاوت الرهيب في اقتناص الفرص والإفادة منها. فمازالت فئات واسعة من شعوب العالم تعيش ظروفاً صعبة ولم تنتفع من ثمار العولمة كما كان مؤملاً. و الأكثر من ذلك أن مفهوم المجتمع الدولي لدى الرأي العام العالمي مرتبط بالسلبية وغياب التحرك الفعال. وإذا ما تواجد فعلاً كيان جدير باسم المجتمع الدولي فهو يبقى، رمزاً للعجز وعدم الفعالية بالنظر إلى الأزمات المتعددة التي فشل في حلها، أو معالجتها مثل تلك التي تعصف بالشرق الأوسط ( كالغزو الأمريكي للعراق 2003 / الملف النووي الإيراني ) ، أو أفريقيا لعقود عديدة. وفي هذا السياق يحق لنا التساؤل عن دور المجتمع الدولي على حد تعبيرهم الذي عجز، إلى حد الآن، في ردم الهوة المتسعة بين دول الشمال والجنوب وتوفير الاحتياجات الأساسية للشعوب مثل المياه والصحة وغيرهما. والواقع أن غلبة المصالح الفردية للدول ليست هي ما يعيق انبثاق مجتمع دولي حقيقي، بل إن غياب رؤية بعيدة المدى هي ما يحول دون ذلك، وشيوع تلك النظرة الواهمة لدى البعض بأنهم قادرون على فرض وجهات نظرهم على الآخرين حتى ولو كانوا أقلية على الساحة الدولية. و أخيراً لا يمكن لمجتمع دولي حقيقي أن يتبلور ويضطلع بدوره من دون علاقات دولية قائمة على التعددية واحترام آراء الدول الأخرى باعتبارها رؤى مشروعة من دون أن ننسى ضرورة تغليب المصلحة العامة على ما سواها. و الأهم من ذلك ألا تحتكر دولة، أو مجموعة صغيرة من الدول دون غيرها تحديد المصلحة الدولية العامة والسعي إلى فرضها.

الـــحــواشـــــــي
(1) ثامر كامل الخزرجي ، العلاقات السياسية الدولية : و إستراتيجية إدارة الأزمات ، دار مجدلاوي للنشر والتوزيع ، عمان 2005 ، ص47 .

(2) ممدوح محمود منصور ، سياسات التحالف الدولي : دراسة في أصول نظرية التحالف ودور الأحلاف في توازن القوى واستقرار الأنساق الدولية ، مكتبة مدبولي ، القاهرة 1997 ، ص 6 .

(3) إسماعيل صبري مقلد ، العلاقات السياسية الدولية : النظرية والواقع ، جامعة أسيوط ، أسيوط2004 ، ص31

(4) مرجع سابق ، ص34

(5) ثامر كامل الخزرجي ، العلاقات السياسية الدولية ، ( م . س . ذ ) ، ص 52 .

(6) مرجع سابق ، ص 57 .

(7) قدري محمود إسماعيل ، الاتجاهات المعاصرة وما بعد المعاصرة في دراسة العلاقات الدولية ، أليكس لتكنولوجيا المعلومات ، الإسكندرية 2004 ، ص89 .

(8) مرجع سابق ، ص90.

(9) مرجع سابق ، ص 92 .

(10) ممدوح محمود منصور ، سياسات التحالف الدولي ، ( م . س . ذ ) ، ص11

(11) محمد طه بدوي وآخرون ، مقدمة إلى العلاقات السياسية الدولية ، أليكس لتكنولوجيا المعلومات ، ط2 ، الإسكندرية 2004 ، ص3 .

(12) مرجع سابق ، ص5

(13) محمد محمود ربيع و إسماعيل صبري مقلد ، موسوعة العلوم السياسية ، جامعة الكويت ، الكويت 1994 ، ص 623 .

(14) انظر في هذا المضمون :
Toma , P. & Gorman , R., : International Relation : Understanding Global Issues (Books / Cole Pub. Co., California , 1990 ) , p.24.

الأحد، 30 أغسطس 2009

ما المقصود بالفوضى الدولية

* أولاً:التعريف بظاهرة الفوضى الدوليةInternational Anarchism
يراد باصطلاح الفوضى الدولية " الحالة التي تكون فيها كل دولة قانوناً بالنسبة إلى ذاتيتها، وتعد كل دولة فيها القاضي الذي يحكم في قضاياها والحفاظ على مصالحها القومية والملتزمة بتغليب هذه المصالح ووضعها موضع التنفيذ بشتى الطرق و الأساليب، فالمصلحة القومية ، وان كانت تمثل أهم وأكبر أهداف السياسة الخارجية لكل وحدة دولية فهي في حالة الفوضى تمثل أسمى واجب أخلاقي يقع على عاتق الدولة والحكومات " .
إن اصطلاح الفوضى الدولية يعني أن هناك انهياراً في التوازن داخل الأنساق الدولية، فالتوازن في الأنساق الدولية هو جوهر هذه الأنساق، وهذا الانهيار يعني أيضاً انهيار بالعلاقات الدولية، فالنسق الدولي – وهو صورة منتظمة للعلاقات بين العديد من القوى يرفض بطبيعته هذه نقيضين متطرفين يقف هو في وجه كل منهما على السواء، . إن أية مجموعة من قوى فردية – في غيبة حكم أعلى – لا يتصور لها إلا أن تسقط في فوضى مطلقة ، ومن ثم فلا نسق ، و إما أن تنتهي الحرب الدائمة بين القوى الفردية إلى إمبراطورية عالمية Universal Empire ومن ثم فلا نسق دولي أيضاً ، وبين هاتين الصورتين تقع صورة النسق الدولي ، ذلك بأن النسق هو مفهوم لصور المجموعات الدولية المتوازنة القوى توازناً يمكن لانتظام علاقاتها بمنأى عن حالة الفوضى من ناحية ، وفي وجه كل متطلع إلى الإمبراطورية العالمية من ناحية أخرى .
إن إعطاء تعريف لظاهرة الفوضى الدولية يدخلنا بصورة كلية في خضم موضوع التعريف بالحرب باعتبارها ظاهرة أيضاً ، فما الفوضى الدولية إلا نوع ضخم من الحروب . والفوضى الدولية هي نوع من الحروب الدولية التي تتعدى في خصائصها ومظاهرها التي تشمل العالم كله ظاهرة لحرب المحدودة ، والحرب هي حالة متكاملة ، لا تأخذ أبعادها إلا إذا كانت حرباً حقيقية ، وهي تلك الحرب التي تندفع الدول المشاركة فيها إلى ما أسماه الجنرال كارل فون كلاوزفيتز " التصعيد إلى الحد الأقصى " لذا، فان القدرة على خوضها حكر على الدول الغنية الصناعية التي تتمتع بإمكانيات كبيرة ، أي على الدول المؤهلة بذل جهود كبيرة من أجل النصر . ويتطلب التصعيد إلى الحد الأقصى أيضاً متابعة القوات المشتركة في القتال" .
إن التفسير العلمي للعلاقات الدولية إنما يبدأ دائماً من إن هذه العلاقات هي عمل من إعمال فرض الإرادة في أي مرحلة من مراحلها سواء في فترة السلم أو في فترة الحرب ، ومن البديلين الحرب والسلام يمكن تصوير هذه العلاقات على أنها عمل من أعمال فرض الإرادة تستهدف به إكراه الخصم على تنفيذ إرادتنا ، وهو ما يجعل من الحرب أصل لهذه العلاقات (1) .
إن العلاقات الدولية هي تعبير آخر لنظام الدولة الفوضوي Anarchy والذي يتألف من دول مترابطة نسبياً ولكن لا تحكمها حكومة واحدة ، وتعني الفوضوية " رفض السواد الأعظم الامتثال لأي نظام ما "، وارتباطاً بالمدخل الواقعي لفهم السياسة الدولية يرى أصحاب المدرسة الواقعية أن احتمالات الحرب في الأنظمة الفوضوية تدفع الدول إلى الحفاظ على الجيوش في أوقات السلم ، فالعلاقات بين الدول مثل كرات البلياردو تتجنب بعضها البعض في محاولة للحفاظ على توازن القوى ، إن هذا المدخل هو مدخل يرى في الحرب عملاً من طبيعة البيئة الدولية كما سنوضح لاحقاً .
* ثانياً : الاتجاهات المختلفة في تفسير ظاهرة الفوضى الدولية :
هناك منهجان رئيسيان يتنازعان دراسة ظاهرة الفوضى الدولية، منهج الدراسة التاريخية ( الوقائعية البحتة ) التقليدية والتي ترى في الحرب مجرد عمل من أعمال الحاكمين ، ومنهج علم الاجتماع الذي يرى في الحرب ظاهرة اجتماعية تكمن حقيقتها في طبيعة علاقاتها بغيرها من الظواهر ، وارتباطاً بذلك تبدأ دراسة الحرب – لدى المدرسة التاريخية – من فرض مضمونة أن الحرب عمل إرادي بحت ، بينما تبدأ مدرسة علم الاجتماع هذه الدراسة من فرض قوامة أن الحرب ظاهرة اجتماعية .
والحق أن دراسة الفوضى الدولية إنما يرتد أصلها إلى علم الاجتماع وفرضه الشهير بأن الحرب ظاهرة اجتماعية ، فالفوضى الدولية التي نحن بصددها ما هي إلا صورة أخرى من صور التوترات الدولية المفضية إلى الحرب ، وهذه التوترات تحدث نتيجة لطبيعة البيئة الدولية ، ولطبيعة علاقة المجتمعات أيضاً .
و بذلك فان الفوضى الدولية من حيث أنها ظاهرة دولية جوهرها قابعاً في طبيعة البيئة الدولية، فالعلاقات الدولية هي علاقات قوى فردية في عينة حكم أعلى تعتمد كل قوة فيها على قدراتها الذاتية – من أجل تحقيق مصالحها القومية. و هذه القوى قد تتعاون ولكنها لا تتكامل تبعاً لعينة ظاهرة الاحتكار الفعلي والشرعي لأدوات العنف في البيئة الدولية .
مما لاشك فيه أن علم العلم العلاقات الدولية علم حديث نسبياً ، وأرسيت قواعده غداة الحرب العالمية الأولى في ما وراء الأطلنطي ، وتطور بسرعة مدهشة ، لاسيما في السنوات التي أعقبت الفوضى التي صاحبت النزاع العالمي الثاني . ونظراً لكثرة الاختصاصيون من أصحاب الكفاءات ، فان الخلافات العقائدية والتناقضات الفكرية ، والمجادلات ، حول المعنى والمضمون واختلاف زوايا الرؤيا ، حتمية . و إن النقاش حول هذا الأمر ظل مفتوحاً بسبب ما يتبناه أنصار الواقعيين بوجه المثاليين ، والمتشائمين بوجه المتفائلين ، ومعارضة القدماء للمعاصرين ، فالأولون يعتبرون أن المجتمع الدولي ( سواء اتفقنا مع التسمية أو لا ) يبقى، بالمقارنة مع المجتمعات الوطنية، مجتمعاً فوضوياً تماماً، بينما يعتبر الآخرون، بالعكس، إن الواقع الدولي أو البيئة الدولية بيئة منظمة بذات درجة المجتمعات والبيئات الأخرى ولذلك ذهب أنصار هذا الاتجاه بتسمية ( المجتمع الدولي ) ، ويتمثل الخلاف بين هذين الاتجاهين بهذا السؤال : هل البيئة الدولية تتمثل بأنها حالة فطرية أم جماعة دولية ؟ (2) .
* ثالثاً : هل الواقع الدولي ( فوضوي ) أم ( مُنظم ) ؟
1. نظرية حالة الفطرة ( المدرسة الواقعية ) Realism :
يرى أنصار هذه النظرية أن انهيار البنيات الإقطاعية، كان قد أدى في نهاية العصر الوسيط، إلى تداعي الوحدة القانونية و المعنوية التي كانت تتصف بها المسيحية . إلا أن الفراغ الذي قام من جراء هذا الأمر ، لم يستمر طويلاً بسبب نمو الدولة الوطنية الملكية الكبرى التي كانت تعتبر نفسها سيدة ولا تعترف بأية سلطة فوق سلطتها . وبما أنها كانت ترفض الخضوع لقواعد سلوك مشتركة، ومشغولة فقط بالدفاع عن مصالحها وبالرغبة في توسيع نفوذها ، فإنها كانت تعيش في جو دائم من العداء والمنافسة وأن شريعة الغاب هي التي تحكم العلاقات بين هذه الدول، حيث كان القوي يفرض إرادته على الضعيف .
وقد ذُكرت حالة الفطرة الفوضوية ، المتعلقة بالواقع الدولي لأول مرة في كتاب "توماس هوبز" المسمى ( لولفياتان ) ، ومن ثم بصورة أكثر عمقاً عند " جان جاك روسو " ( حالة الحرب ). ولكن مفهوم ( العالم الفوضوي ) يرجع في الواقع إلى مؤرخ يوناني شهير هو " تيو سيديد " وينسب هذا المؤرخ إلى أحد الاستراتيجيين العسكريين القدماء مقولة : (إن الحرية مع الجيران، يجب أن تتقلص دائماً إلى القدرة على مواجهتهم ) .
ويمكن تلخيص ما ابتدعه "هوبز" في نظريتة عن حالة الفطرة على الوجه التالي : أن ثمة تناقضاً جذرياً بين البيئة الدولية والبيئات الوطنية. إذ كان الناس يعيشون في هذه الأخيرة في حالة الفطرة بسبب غياب السلطة المنظمة، وبسبب صراعهم المستمر بين بعضهم البعض، فإنهم لم يعرفوا لا سلما ولا أماناً. وللخروج من هذا الوضع، والدخول في مرحلة الجماعة، قرر هؤلاء الناس توقيع ميثاق، أو عقد اجتماعي يقومون بموجبة بإعطاء سلطة عامة لأمير أو مجلس ، وهكذا، وبتخلي كل مواطن عن حريته للسلطة المؤتمنة على السيادة، فانه ضمن لنفسه بالمقابل ، النظام و الأمان . وبالطبع فان المقصود هنا هو رسم نظري، وبناء فكري هدفه تقديم تفسير عقلاني لعملية تكوين السلطة السياسية في البيئة الوطنية. وقد طبقت هذه الصورة على الروابط الدولية التي لم تخرج بعد ، بحسب " توماس هوبز "، ومن مرحلة الفطرة حيث يقول : ( إن الملوك والأفراد هم ، بسبب استقلالهم وسلطتهم السيدة، في شك دائم ، وفي وضع المصارعين الذين يشهرون سلاحهم ويراقبون بعضهم البعض . و أعني هنا القلاع والحاميات، والمدافع المركزة على حدود ممالكهم، والجواسيس الموجودين باستمرار عند جيرانهم، أي كل هذه الأشياء التي تشكل حالة الحرب. وسيبقى هذا الأمر طويلاً، طالما أن الدول المستقلة لم توقع ( عقداً اجتماعيا عالمياً ) لتخلق حكومة عالمية، وحيدة وسيدة ، ولا يجوز إذاً ، خلط السياسة الخارجية مع السياسة الداخلية، لأن العلاقات بين الدول ترتكز على علاقات قوة، وليس علاقات حق : فهي تخضع للعبة المصالح الوطنية، وان البيئة الوطنية ( أو المجتمع الوطني ) كامل ونظم، بينما الواقع الدولي ( البيئة الدولية ) فوضوي ومجزأ .
وتكمن الأهمية في نظرية " هوبز " في كثير من المؤلفين القدماء و المعاصرين قد أعادوا استخدام هذا المفهوم الواقعي المتشائم، ففي القرن السابع عشر استخدم " جون لوك " في كتابة ( بحث حول الحكومة المدنية ) نفس مفاهيم هوبز ( حالة الفطرة – عقد اجتماعي ...الخ ) . وفي القرن الثامن عشر ، " جان جاك روسو " في كتاب ( أميل ) و ( تأملات حول حكومة بولونيا ) ، وكذلك " ايمانويل كانت " في كتابة ( بحث حول السلام الدائم ) ، كما اتخذ " هيجل " ذات الموقف في القرن التاسع عشر ، أما في القرن العشرين فان المفكرين الذين يعتبرون البيئة الدولية فوضوية لم يختفوا بعد . وقد استمر بعدهم كثير من المؤلفين المعاصرين، وعلماء السياسة و الاجتماع والقانون، وبالرجوع إلى حالة الفطرة ، ونذكر هنا منهم على سبيل المثال لا الحصر" هانس جي مورجانثو "، و " ستانلي هوفمان " في الولايات المتحدة الأمريكية، و " ريمون آرون "، و " جورج بيردو " في فرنسا .. بيد أن السؤال الذي يبقى ملحاً هو : هل لا تزال تنسجم هذه الرؤية مع الوقائع الدولية ؟ ، لاشك أن بعض المفكرين لا يتفقوا مع هذه الرؤية ويقترحوا نظرة أكثر تفاؤلاً (3).
وبناءا على العرض السابق ، فقد توصلنا لعدة مقدمات فكرية نستشف منها الآتي :
· الوحدة الأساسية في التحليل هنا هي الدولة ، فالعلاقات السياسية الدولية سميت بالدولية لأنها تتم بين دول ، وبذلك فالدولة هي الوحدة الأساسية في التحليل .
· على قمة أجندة العلاقات الدولية هنا " فكرة الصراع الدولي " وتبادل التأثير والتأثر " من ثنايا مفهوم النسق .
· مجمل الصراع يتم من ثنايا فكرة " المصلحة " .
· على قمة " فكرة المصلحة " فكرة المصلحة القومية ، وتمثل فكرة الأمن القومي فكرة المصلحة .
· الأداة العسكرية هي الأداة الرئيسية في إدارة العلاقات الدولية .
· جاء هذا الاتجاه بفكرة رشد الدولة.
· نية الحرب (4).

2. نظرية ( الجماعة الدولية ) الحديثة أو ( المدرسة المثالية ) :
جاءت هذه النظرية كرد فعل على النظرية السابقة ، ويؤكد أنصار هذه النظرية أن عناصر التضامن ، والمصالح المشتركة بين أطراف اللعبة الدولية هي أكثر أهمية من عناصر الشقاق أو التناقض. وبحسب رأيهم فان البيئة الدولية ليست فوضوية بل هي بيئة منظمة أو في طريقها للتنظيم ، متلاحمة البنيان والنظام وتشكل ( جماعة دولية ) يمكن أن تفضي أما إلى دولة عالمية مقبلة، و إما إلى فيدرالية عالمية .
ويقوم الوضعيون من رجال القانون بإبراز البيئة الدولية كتركيب لدول سيدة ومتساوية، والقانون الدولي العام وكأنة مصمم ( كقانون بين الدول ) . وهذا لا يعني أبداً غياب النظام القانوني، وإنما ارتكاز هذا الأخير وبكل بساطة على موافقة الشركاء القانونيين الصريحة. أما العلاقات بين الدول، فإنها علاقات تعاقدية : أي أن ما تصنعه إرادة ما يمكن أن ترفضه أخرى ، وتكون البيئة الدولية بهذا الشكل، مجتمعاً ترابطياً وليس مؤسسياً.
وحديثاً حاول بعض علماء السياسة و الاجتماع طرح العلاقات الدولية من زاوية جديدة، أي بعبارة ( الأنساق ) . ونذكر من بينهم أعمال " بيرتون " ، " كابلان "، " مارسيل مرل " ، " كالتونغ ".
و يتطلب مفهوم النسق وجود علاقات بين العناصر التي تشكل جزء من نفس المجموعة. وتأخذ هذه العلاقات شكل المواصلات، الاتفاقات، المبادلات، وغيرها من الروابط . وقد أُدخل مفهوم النسق ( والبعض يطلق عليه النظام ) في العلوم الاجتماعية عن طريق الأمريكي " تالكوت برسونز " المتأثر بالاقتصادي" بارتيو "وكان الأمريكي " ديفيد استون" أول من استخدمه في علم السياسة ، وبحسب ( المفهوم النسقي ) ، فان المجموعة الدولية تؤلف نسقاً شاملاً للتفاعلات التي تكون الدولة عناصرها الأساسية ، ولكن ليست الوحيدة ، كما يشكل الواقع العالمي الحالي وحدة عضوية بسبب التدخلات المعقدة القائمة على كافة المستويات وفي كل الميادين. ولعل من الأهمية بمكان ملاحظة أن التطور الهائل للمبادلات، و الإعلام، و الاتصالات، في العصر الحديث وكذلك التطورات المتسارعه في طبيعة هذه الأشياء قد أدت جذرياً إلى تغيير مضمون العلاقات الدولية، ولم تعد دراستها مقصورة فقط على الأمن ، وقضايا الحدود ولعبة التحالفات ، بل أصبحت تهتم بقضايا أخرى عديدة مثل : تطوير العلاقات الاقتصادية ، المالية، النقدية، حقوق الإنسان، البيئة، التلوث، الديمقراطية، مكافحة الإرهاب، أسلحة الدمار الشامل، .... الخ ، وفي أية حال ، لم يعد بإمكان الاختصاصيين وقف أبحاثهم على نسق وحيد للعلاقات الدولية. لأنهم فهموا أن عليهم إذا أرادوا شرح سير البيئة الدولية ، إعادة وضعه في محيطة العام .
و باختصار، فان من المهم الإشارة إلى إن ( المفهوم النسقي ) يجدد كلياً المفهوم الكلاسيكي للعلاقات الدولية ويشكك مباشرة بصحة نظرية الفوضى القديمة . ولم يثبط فشل عصبة الأمم وهيئة الأمم المتحدة من عزم مؤيدي النظام القانوني العالمي. ويؤيد البعض (الوظيفة الدولية) ويعتقد بأن إعطاء حد أقصى من الصلاحيات التقنية إلى المنظمات العالمية سيؤدي تدريجياً إلى إفراغ السيادة الوطنية من محتواها، و أن مضاعفة وزيادة روابط التعاون بين الأمم ، في الميادين الاقتصادية ، الثقافية ، العلمية، .... الخ ، أي بتقليل قيمة السيادة الحكومية بالنتيجة – سيدفع الإنسانية لوعي وحدتها، ويمكن حينذاك الانتقال من عالم إلى عالم دولة العالم (5).
وبناءا على العرض السابق، فقد توصلنا لعدة مقدمات فكرية أيضاً نستشف منها الآتي :
· الدولة ليست هي الوحدة الأساسية في التحليل .
· الصراع ليس أساس في العلاقات الدولية ، بل التعاون والتكامل .
· على قمة أجندة العلاقات الدولية فكرة " المصلحة "، وعلى قمة فكرة المصلحة فكرة " الأمن " .
· الأداة الاقتصادية هي الأداة الرئيسية في العلاقات الدولية ، والحرب بذلك ليست حتمية، مما مهد لظهور فكرة " الأمن الجماعي " التي انبثقت منها المنظمات الدولية ، ثم أضيفت لها مفاهيم أخرى تعبر عن التعاون والتكامل والاندماج الإقليمي والدولي(6) .
ويبقى السؤال الأهم هو أي واحدة من النظريتين – نظرية ( الفوضى ) ونظرية ( الجماعة ) – أكثر قرباً من حقيقة الواقع المعاصر؟ الجواب ببساطة هو أن هاتين النظريتين بالرغم من كونهما متطرفة، تشتملان على جزء من الحقيقة ، ويذهب بعض المختصين إلى ثمة مكان بين التشاؤم و التفاؤل ، لطرح وسطي أو بالأحرى لموقف وسيط هو : الموقف الواقعي ، بمعنى أن البيئة الدولية تقوم في وسط الطريق بين الجماعة والفوضى ، وطبيعتة مختلفة : فهي تبرز مواصفات منظمة وغير منظمة . وهذا يعود لكونه موضوع تناقضات عديدة (7) .

الحـــواشــــي
(1) قدري محمود إسماعيل ، الاتجاهات المعاصرة وما بعد المعاصرة في دراسة العلاقات الدولية ، أليكس لتكنولوجيا المعلومات ، الإسكندرية 2004 ، ص39- ص69.

(2) إسماعيل صبري مقلد ، العلاقات السياسية الدولية : النظرية و الواقع ، ط4 ، جامعة أسيوط ، أسيوط 2004 ، ص5- ص27.

(3) ثامر كامل الخزرجي ، العلاقات السياسية الدولية وإستراتيجية إدارة الأزمات ، ط1 ، دار مجدلاوي للنشر والتوزيع ، عمان 2005 ،ص47- ص50.

(4) محاضرة مع الدكتور قدري محمود إسماعيل مقرر دراسات متخصصة بالعلاقات الدولية، (غير منشور )، بتاريخ 28/10/2007 لطلبة تمهيدي ماجستير علوم سياسية بجامعة الإسكندرية.

(5) ثامر كامل الخزرجي ، العلاقات السياسية الدولية وإستراتيجية إدارة الأزمات ( م . س . ذ ) ، ص51- ص52 .

(6) محاضرة مع الدكتور قدري محمود إسماعيل مقرر دراسات متخصصة بالعلاقات الدولية ، ( م . س . ذ ) .

(7) إسماعيل صبري مقلد ، العلاقات السياسية الدولية : النظرية و الواقع ، ( م . س . ذ ) ، ص26 .

الأربعاء، 5 نوفمبر 2008

التغيير في أمريكا = التغيير في العالم

لقد فاز باراك أوباما بالانتخابات الرئاسية الأمريكية - 5 نوفمبر2008 - كما هو متوقع للمتابعين لهذه الانتخابات الدراماتيكية ، ومن خلال استطلاعات الرأي التي كانت دوما في صالحه ضد منافسة المسن " ماكين " ، لاشك أن الظروف كانت مواتية لفوز باراك أوباما ، وكانت هذه الظروف لصالحه منذ ترشيحه للرئاسة من قبل الحزب الديمقراطي ، ومن هذه الظروف على سبيل المثال لا الحصر : منذ باديات ترشيح الحزبين ( الديمقراطي والجمهوري ) كانت المنافسة على ترشيح الحزب الديمقراطي على أشدها بين أوباما وهيلاري كلينتون ، لاسيما وأن فوز أحدهما بالترشيح يعتبر تحديا بحد ذاته ، فاذا فاز أوباما فان التحدي والتغيير سيكون بترشيح أمريكي ملون ذي أصول عرقية افريقية ومن جذور اسلامية بذات الوقت ، أما اذا فازت هيلاري فان التحدي يتمثل بترشيح امرأة لكرسي الرئاسة وهذا مالم يتقبله الامريكان حتى الآن ، فكان الترشيح لصالح أوباما . في المرحلة التالية من الانتخابات الامريكية وهي المنافسة بين مرشحي الحزبين ، كان المنافس الجمهوري " ماكين " شخص هرم يبلغ من العمر 72 عاما وفي حاله فوزة فانه سيكون أكبر شخص تولى الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية ، كما أن اختيار ماكين لحاكمة ولاية ألاسكا " ساره بالين " الساذجه سياسيا لمنصب نائب الرئيس لم يكن موفقاً لوجود بعض الفضائح الادارية ابان حكمها للولاية بالاضافة الى ضعفها الخطابي والمعلوماتي والسياسي أثناء المقبلات والحوارات . ولاسيما أن حملة ماكين الانتخابية لم تكن موفقة في مواجهه نجاح حملة " أوباما " الانتخابية والتي كانت مدروسة بكل دقة .

أثناء ذلك وخلال اشتداد المنافسة بين الطرفين ، ظهرت أزمة الرهن العقاري الأمريكية او مايطلق عليها ( الأزمة المالية العالمية الثانية ) والتي من أسبابها الرئيسية الادارة الجمهورية السيئة للبيت الأبيض بقيادة جورج دبليو بوش" الابن" ، وتورط الولايات المتحدة بعدة حروب ( أفغانستان - العراق ) التي امتصت المليارات من الخزينة الأمريكية دون جدوى ، ناهيكم عن اعتماد لغة القوة وتقليبها على الحوار والدبلوماسية بشكل أدى الى تراجع موقع الولايات المتحدة الأمريكية على السُُلم الدولي واصبح العالم يتحدث عن نسق دولي متعدد الأقطاب بعد أن كان أحادي القطبية .

بدى الأمر سهلا أمام " أوباما" في ظل اخفاق الجمهوريين في ادرة البلاد والعالم وتردي الأوضاع الأمريكية في مختلف المجالات خاصة السياسية والاقتصادية ، وبدى الطريق واضحا أمام أوباما تحت شعار " التغيير" وببرنامج انتخابي واضح ، لكن بالمقابل لابد أن نعترف بنجاح " أوباما " الساحق ، وان التغيير بالفعل قد حصل بالولايات المتحدة ، حيث تخطت عقدة " اللون " بمراحل بفضل هذه الانتخابات ، وتوحدت في اختيار رئيسها المحنك والخطابي المتميز ، ولكن هل يطول هذا التغييرفي المزاج الأمريكي العالم ، وهل ستحل القضايا العالقة ولو جزئيا خاصة في الشرق الأوسط ؟ الرئيس أوباما والذي سيستلم مهام حكمة في 20 يناير2009 أمامة الكثير من القضايا الشرق اوسطية العالقة ، اذ لايزال العراق بعد خمس سنوات من الغزو الأمريكي غير مستقر رغم تحسن الأمن وذلك بفضل زيادة مستويات القوات الأمريكية 2007/2008 فهل سيفي أوباما بوعدة في خطاب الفوز بسحب القوات أم لا ؟ ، وهناك ايران وطموحاتها النووية والاقليمية التي فشلت معها كل المحاولات لعزلها وتقويضها فهل سيكون الحل دبلوماسيا أم عسكريا ؟ ، وكذلك الصراع العربي الاسرائيلي والذي يطلق عليه البعض " القضية الفلسطينية " فبعد عام تقريبا من اعادة الرئيس بوش اطلاق محادثات السلام الفلسطينية الاسرائيلية في " أنابولس " صدقت توقعات الكثيرين المتشائمة في ذلك الوقت ، وفشلت المحادثات بين الطرفين فماهو موقف اوباما الذي أيد اسرائيل في حملته الانتخابية؟ . كما لاننسى الملف السوري وتحالف سوريا التقليدي مع ايران وحزب الله المناهض لاسرائيل حيث أبدى أوباما أثناء حملته الانتخابية دعمه للحوار مع سورية واعتبر ذلك عاملاً مساعدا في استقرار المنطقة والعالم .

ومن المحتمل أن يواجه " أوباما " بعض الأزمات في الشرق الأوسط خلاف الأزمات الآنفة الذكر ، فهناك قضية انتقال السلطة في مصر حيث يحكم الرئيس حسني مبارك - البالغ من العمر 80 عاماً - منذ 27 عاما دون خليفة يذكر ، وهناك توترات بي السنة والشيعه وتوترات طائفية أخرى في دول سكانها يتبعون مذاهب وديانات مختلفة مثل العراق ولبنان وسورية وايران ومصر والبحرين . وهناك عدم استقرار في لبنان وهي دولة يقف فيها حزب الله وحلفاؤه بدعم من ايران وسورية في مواجهة ائتلاف يقودة السنة وتؤيده السعودية والغرب . وهناك أيضا عدم استقرار في اليمن وهو بلد فقير ولكنه ذو موقع استراتيجي على البحر الأحمر ومن بين مشكلاته نشاط تنظيم القاعده الملحوظ فيها .

في ظل كل هذه الأزمات الحالية والتحديات المستقبيلة في العالم ، وفي ظل رئيس جديد للولايات المتحدة الأمريكية استطاع ان يغير العقلية والمزاج و التمييز العنصري الأمريكي ، هل يستطيع " براك اوباما" من أن يغيرالعالم ، وتصبح حقبة حكمة وما بعدها تحت اسم ( عالم مابعد أوباما ) ؟


الاثنين، 21 يوليو 2008


الأمن القومي الكويتي ... ومضيق هرمز ؟

"الحرب " كلمة يكرهها الجميع على مر التاريخ ... لما لها من آثار تدميرية ونفسية بعيدة المدى ... ونحن بالكويت عانينا من هذه الكلمة بشكل مباشر أثناء الغزو العراقي لدولة الكويت ... وبشكل غير مباشر أثناء الحرب العراقية - الايرانية فترة الثمانينات باستهداف الناقلات النفطية الكويتية والمصالح الحيوية للبلاد .... أعقب ذلك مرحلة تهديدات ومناوشات من قبل العراق بعد تحرير دولة الكويت وحشود عسكرية وتصريحات جعلت الكويت بحالة تأهب وطوارئ حتى عام 2003 بسقوط صدام حسين ، وبعد تراجع العراق كقوة اقليمية بالمنطقة برزت ايران التي تسعى الى خلق بيئة اقليمية مواتيه لها ، ولمصالحها ، وصرحت انها بصدد القيام بتطوير القدرات غير التقليدية من خلال تبني ما يسمى ( البرنامج النووي الايراني ) ، تحت عذر الاستخدام السلمي لهذه الطاقة ... أثناء ذلك تم مواجهة هذا الطموح النووي الايراني بحالة استقطاب امريكي بالمنطقة في مواجهة هذا الطموع ... ودخلت اسرائيل على الخط ... بتهديد ايران بالقيام بضربة عسكرية بحال تطورها للقدرات النووية ... مقابل ايضاً تهديد ايراني بضرب اسرائيل عبر صواريخها بعيدة المدى ... وبضرب المصالح الأمريكية بالمنطقة بالاضافة الى اغلاق " مضيق هرمز " ...
وهذا ما نود الوصول اليه بحقيقة الأمر ... وهو تبعات اغلاق مضيق هرمز على الأمن القومي الكويتي والأمن الاقليمي بالمنطقة ... فعلى المستوى العالمي سيؤدي اغلاق مضيق هرمز الى شلل الاقتصاد العالمي وسيترتب على ذلك نتائج خطيرة على اقتصاديات دول المنطقة وفي مقدمتها دولة الكويت التي تعتمد اعتماداً كبيراً على النفط في دخلها ... فمضيق هرمز يعتبر الشريان الاقتصادي بالنسبة لهذه المنطقة التي ظلت بؤرة صراعات على مدى عقود .ويرى الخبراء والمختصون استحالة ايجاد بديل آخر لتصدير النفط الخام ومشتقاته خصوصا من الكويت عبر طريق آخر سوى مضيق هرمز لعدم امتلاك الكويت لأنابيب نفط .
ان البديل الحقيقي لتصدير النفط في حال اغلاق ايران لمضيق هرمز - كما يرى المختصون - هو خط استراتيجي يربط بين الخليج العربي والبحر الاحمر، أو أن هناك احتمالا آخر وهو مد خط أنابيب من رأس الخليج العربي ابتداء من الكويت وحتى سلطنة عمان ليصب في بحر العرب والمحيط الهندي . وهو اقتراح كويتي قديم ولكن لم تأخذة دول الخليج على محمل الجد . كما أن الدور الاقتصادي وخاصة فيما يتعلق بالنفط بين دول مجلس التعاون مفقود، حيث ان الكويت كانت تعاني من نقص في الغاز الطبيعي وأرادت استيراده من قطر عبر مروره في انابيب في الاراضي السعودية ولكن الاخيرة عرقلت الموضوع ورفضت انشاء انابيب للغاز الطبيعي على اراضيها بالرغم من وجود خط غاز قطري يمر الى الامارات العربية المتحدة (دولفين) لتصدير الغاز القطري للامارات مما سيضطر الكويت الى استيراد الغاز القطري عبر ناقلات النفط .
وحول السيناريو المتوقع في حال اغلاق مضيق هرمز، لاشك ان اسعار النفط سترتفع ويمكن ان تتجاوز 300 دولار للبرميل، وفي هذه الحالة لا بديل لتصدير النفط الكويتي الا عن طريق البر - كما يرى عضو المجلس الأعلى للبترول موسى معرفي - وهي طريقة تتكلف اكثر بالاضافة الى كثرة تعرضها للمخاطر على الطريق البري كونها مواد مشتعلة مما سيرفع من قيمة التأمين عليها. ولفت معرفي الى ان هناك حلا آخر - في تصريحة لوسائل الاعلام - وهو ان يتم نقل النفط في ناقلات وتخزين النفط في ناقلات عائمة خارج منطقة الخليج حيث ان ايران تقوم بتخزين نفطها منذ فترة في ناقلات عائمة خارج منطقة الخليج لتكون سهلة عبر المحيط الهندي.
ومن جانبه يقول وزير النفط الاسبق علي البغلي ان البديل الحقيقي لتصدير النفط في حال اغلاق مضيق هرمز من قبل ايران يعتبر بديلا صعبا حيث ان هناك بديلين، اما بتوصيل النفط عبر مد انابيب الى بحر العرب او الى البحر الاحمر عبر المملكة العربية السعودية ولكن ذلك يحتاج لاستعدادات كبيرة غير موجودة . واوضح البغلي انه يمكن استعمال حاملات نفط كبيرة او بوارج لتخزين مخزون استراتيجي خارج مضيق هرمز لاستخدامه في حال الازمات، مستبعدا اغلاق المضيق، مبينا انه لو أغلق فلن يستمر لفترة طويلة بل سيتم تطهيره سريعا لأنه مضيق حيوي يمر منه يوميا ملايين البراميل من النفط ومشتقاته مما سيؤدي الى ارتفاع هائل في اسعار النفط اذا توقف التصدير عبره، هذا الى جانب ضعف الدولار الذي سيزيد في الطين بلة . كما أن عدم انشاء الكويت خطوط انابيب يرجع الى الخلافات السياسية بين دول مجلس التعاون الخليجي والتي تعرقل اية تنمية بين الدول مثل قطار السكك الحديد الخليجي وغيرها من الامور التي لم ولن ترى النور بسبب تأزم العلاقات بين الدول الشقيقة . ومن جانبه يقول الخبير النفطي كامل الحرمي انه لا يوجد بديل حقيقي لتصدير النفط الكويتي في حال اغلق مضيق هرمز وان كل البدائل الموجودة عبارة عن قلم رصاص او حبر على ورق. واوضح الحرمي ان السيناريو المتوقع في حال اغلاق مضيق هرمز هو عبارة عن شلل اقتصادي في الدول الاسيوية لفترة لا يعلمها الا الله وعدم تمكن الدول النفطية الآسيوية والخليجية من تصدير نفطها الى العالم والذي يبلغ حوالي 19 مليون برميل يوميا بالاضافة الى اكثر من خمسة آلاف طن من المنتجات النفطية. واشار الحرمي الى ان الكميات الاخرى من النفط ومشتقاته التي سيتم تصديرها للخارج ستكون عن طريق البحر الاحمر وخاصة من المملكة العربية السعودية وستكون قليلة وفي حدود 3 ملايين برميل فقط من هذه المنطقة (غرب الخليج).ولفت الحرمي الى ان انشاء خطوط انابيب ليس له جدوى اقتصادية ويستغرق موافقات كثيرة من الكويت وخارجها واكبر دليل على ذلك ان الكويت تريد استيراد الغاز من قطر عبر انابيب تمر في الاراضي السعودية ولكن المشروع متوقف منذ سنوات بسبب رفض السعودية السماح بمرور تلك الانابيب في اراضيها فكيف سنعبر الخليج الى البحر الاحمر، هذا امر ليس بالهين . وحول البديل قال الحرمي انه لا بديل سوى السلم، لافتا الى ان ما تقوله مؤسسة البترول الكويتية حول وجود بدائل لتصدير النفط في حال اغلاق مضيق هرمز مكلف جدا ويستغرق موافقات حيوية كثيرة ووقتا وكلفة، وكما نرى الدول الشقيقة خلافاتها كثيرة مع بعضها مما يصعب من وجود بديل.
وبدوره يقول استاذ الاقتصاد بكلية العلوم الادارية بجامعة الكويت الدكتور عباس المجرن انه لا يوجد بديل حتى الآن عن تصدير النفط في حال اغلق مضيق هرمز ولكن هناك عدة حلول حيث ان الكويت كان لها تجربة ابان تعرضها للغزو العراقي عام 1990 عندما قامت بتخزين النفط في ناقلات عملاقة ووضعتها خارج الخليج العربي لتفي باحتياجات زبائنها المتعاقدة معهم في الطلبات العاجلة بالاضافة الى ان بعض دول المنطقة التي كانت لديها طاقة انتاجية فائضة كانت تبيع من تلك الطاقة لحساب الكويت على ان تعوضها الكويت فيما بعد ويمكن تطبيق هذين الاحتمالين في حال اقفال مضيق هرمز بشكل مفاجئ خاصة وان الكويت لا يوجد لديها انابيب نفطية.
واوضح المجرن ان موقف الكويت من انشاء انابيب نفطية معارض لان وجهة نظرها تكمن في انه لو كل الدول النفطية الخليجية بحثت عن منافذ بديلة لتصدير نفوطها فستنتهي اهمية الخليج الاستراتيجية كمنفذ للنفط، لافتا الى ان الخليج العربي يشكل اهمية اكبر من ذلك للكويت حيث انه مصدر استيراد السلع لان الاقتصاد الكويتي يعتمد بشكل رئيسي على الواردات الخارجية من السلع لان الانتاج المحلي ضئيل واقفال المضيق سيؤدي الى تعطل دورة الحياة الاقتصادية للبلد. وقال المجرن ان الحل يتمثل في اعادة احياء المخزون الاستراتيجي من السلع والذي يفترض ان يكون كافيا لأطول فترة ممكنة في الكويت ولكنه في الوقت الحالي غير كاف، لافتا الى انه كان هناك مشروع لتعزيز قدرة التخزين للسلع الضرورية الا اننا مازلنا نواجه خطر انقطاع الامدادات من السلع الاساسية في حال اغلاق المضيق مما سيؤدي الى نقص هائل في مخزون السلع وارتفاع كبير في اسعارها والتضخم النقدي سيصبح مثل نقطة في بحر مقارنة بما سيحدث، حيث ان التضخم الحالي في الكويت ناتج عن زيادة السيولة النقدية وارتفاع اسعار النفط والسلع ولكن التضخم الذي سينجم في حال اغلاق «هرمز» سيكون بسبب النقص الهائل في كميات السلع . واوضح المجرن ان السيناريو المتوقع يعتمد على طول الفترة المتاحة امام الكويت للتصرف، فاذا كان هناك متسع من الوقت فيفترض ان عليها ايجاد منافذ خارج مضيق هرمز مثل البحر الاحمر او بحر العرب او المحيط الهندي، وهذه هي البدائل المتاحة والآمنة، ولا ننسى الموانئ الرئيسية في كل من سلطنة عمان وميناء الفجيرة الذي يعد ثالث اكبر ميناء نفطي بالعالم حيث كان الميناءان معرضين للخطر والتعطل وقت اعصار (جونو) الذي اجتاح سلطنة عمان العام الماضي الا انهما يبقيان منفذا بديلا في حالة الخطر العسكري . واضاف المجرن انه حتى الآن مازال الخليج العربي يحتفظ بأهمية استراتيجية عالية وانه اذا حدث تعطيل للملاحة في مضيق هرمز فسيكون مؤقتا لان القوى الدولية لا بد وان تتحرك لايقاف هذا الامر.
يقول رئيس مجموعة التخزين والنقل يعقوب الشرهان ان أسعار الشحن سترتفع بشكل كبير جدا اذا ما حدثت الحرب بالاضافة الى ارتفاع اسعار التأمين والنفط خصوصا اذا ما قررت الحكومة الايرانية اغلاق مضيق هرمز. ويوضح ان الاخطار التي ستحدق بالدول الخليجية تعتمد على نوع الحرب فهل هي حرب باردة ؟ أم ضربة سريعة ؟ أم حرب مفتوحة؟ وتوقع أن تنخفض حركة النقل بين الدول الخليجية بنسبة لن تقل عن 80 % نظرا لشل الحركة في الدول المجاورة لايران، مؤكدا ان هناك صعوبة كبيرة قد تواجهها شركات الشحن اذا ما قامت الحرب فعلا حيث يحتاج نقل النفط الى دعم لوجستي غير متوفر في الكويت، مبينا انه لا يوجد في الكويت انابيب نقل ولا شاحنات مؤهلة لنقل كميات كبيرة من البترول. وأضاف: «تمر عبر مضيق هرمز حمولات شحن تبلغ 2.9 مليار طن سنويا. كما ان صادرات النفط الخام عن طريق المضيق ارتفعت إلى 750 مليون طن في العام 2006حيث تنقل 27 % من الشحنات العابرة بناقلات النفط. وتزيد هذه النسبة إلى 50 % مع احتساب المشتقات النفطية والغاز الطبيعي وغاز النفط المسال».
بناءا على ما سبق ذكرة ... فان الوضع الاقتصادي الكويتي سيكون في أسوأ حالاته بحال اغلاق مضيق هرمز ... وسينعكس ذلك على مختلف المجالات بالدولة مما يضر الأمن القومي للدولة ...ولو بشكل مؤقت ...

الاثنين، 30 يونيو 2008

ايران توجه صواريخها نحو اسرائيل


في أبلغ رد ايراني على المناورات العسكرية الاسرائيلية ، والتي يقال أنها تحضيرات للضربة الاسرائيلية لايران على خلفية البرنامج النووي الايراني ، صرحت وسائل الاعلام المختلفة من ان ايران قد وجهت صورايخها الى مفعل ديمونة الاسرائيلي تحسباً لاي هجوم عسكري عليها ، وأنها ستفرض قيوداً على ممر الخليج ( مضيق هرمز ) ، بالمقابل صرح شافتاي شافيت الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد) في مقابلة مع صنداي تايمز البريطانية أن إسرائيل لديها عام واحد لتدمير المنشآت النووية الايرانية والا ستواجه خطر التعرض لهجوم ذري ايراني. وقال شافيت إن "اسوأ السيناريوهات هو ان تمتلك ايران السلاح النووي خلال حوالى عام والوقت المتبقي لمواجهة ذلك يضيق أكثر فأكثر". وأضاف "بصفتي ضابط في الاستخبارات عملت على اسوأ السيناريوهات, يمكنني ان اقول انه علينا الاستعداد لذلك . علينا ان نفعل كل ما هو ضروري في الجانب الدفاعي والجانب الهجومي والرأي العام في الغرب, في حال لم تجد العقوبات على إيران " .

بناءا على هذه التصريحات المتسارعة ، بين الطرفين الاسرائيلي والايراني ، نتوصل الى عدة أمور هامة :

  1. أن اسرائيل تفكر جدياً بهذا السيناريو . وتحضر له ، قد يقول البعض ان التدريبات العسكرية والمناورات التي يجريها الجيش الاسرائيلي هو من باب التخويف أو من باب التشويش على الجانب الايراني حول من سيتبنى الضربة العسكرية ( الولايات المتحدة أم اسرائيل ) ، ومن خلال قراءة بعض المؤشرات ، فان اسرئيل أقرب الى الضربة من الولايات المتحدة ، كون الولايات المتحدة لاتزال في مأزق احتلال العراق ، والأحداث في أفغانستان ، وأن قيام اسرائيل بهذه المهمة سيوفر على الولايات المتحدة الجهد والوقت والمال ، خاصة وأن الكونجرس الامريكي لم يقر ميزانية الدفاع الخاصة بالعراق وأفغانستان الا بعد مفاوضات بين جورج دبليو بوش والأغلبية الديمقراطية بالكونجرس . وأن قيام الولايات المتحدة الأمريكية بهذه الضربة يستلزم عدة اجراءات دستورية للموافقة على ذلك ، فضلاً وأن الكونجرس يتخوف من الدخول في مأزق آخر في ظل المأزق العراقي الحالي .


  2. ان اسرائيل تترقب الانتخابات الرئاسية الأمريكية ، حيث أن فوز الديمقراطي باراك أوباما يعني عدم التجاوب مع الضربة الاسرائيلية لايران ، اما في حال فوز الجمهوري ماكين فمن السهل الاتفاق على ذلك ، لذا قد تلجأ اسرائيل الى هذا السيناريو من الآن وحتى العام القادم ليكون ذلك في عهد جورج دبيلو بوش ، وعدم الدخول في مفاوضات مع الرئيس الأمريكي الجديد . ولكن بالمقابل فان الموافقة الأمريكية ليست شرطاً لقيام اسرائيل بهذه الضربة .

  3. أن ايران لم تتفاجأ بهذه التصريحات ، بل توقعت ذلك ، وكان الرد مجهز مسبقاً ، بناءا على الاستعدادات العسكرية الايرانية ، وتطوريها على مدى السنوات الماضية ، بحيث أصبح باستطاعة الصواريخ الايرانية بلوغ اسرائيل .
    وبناءا على تعليقنا السابق على هذا الموضوع تحت عنوان " ثرثرة في احتمالات الضربة الاسرائيلية " ، فان السيناريو الذي ذكرناه سابقاً يسير على ذات الخطى المتوقعة بشكل دقيق حتى الأن ...

الجمعة، 27 يونيو 2008

ثرثرة في احتمالات الضربة الاسرائيلية ؟؟؟



هل ستضرب اسرائيل ايران ؟؟ سؤال تردد على مدى خمس سنوات على خلفية البرنامج النووي الايراني .. وسيناريو توقع المحللون وأساتذة العلاقات الدولية والاستراتيجيات حدوثة الى جانب سيناريوهات أخرى لضرب ايران لعزمها على المضي قدماً في تنفيذ برنامجها النووي التي تزعم بأنه للاستخدامات السلمية .
عاد هذا سيناريو الضربة الاسرائيلية لايران ليطرح نفسه من جديد بعد تصريحات شاؤول موفاز أحد نواب رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود أولمرت في جريدة "يديعوت أحرنوت"، حيث هدد موفاز بضري ايران على خلفية برنامجها النووي قائلاً : ان اسرائيل ستضرب ايران اذا استمرت في برنامج التسلح النووي ، وأن مهاجمة ايران لايقاف خططها النووية سيكون لامفر منه ، وأن العقوبات الدولية ضد ايران ليست فعالة " وأضاف موفاز في اشارة الى تهديد الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد بـ"مسح اسرائيل عن الخريطة" أن ايران ستمحى عن الخريطة قبل اسرائيل" ، ولكن بالمقابل لابد أن نأخذ بعين الاعتبار أن موفاز المولود في إيران سبق أن شغل منصب وزير الدفاع في الحكومة الإسرائيلية، وهو الآن منافس شرس لرئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت داخل حزب كاديما في ظل تحقيق الشرطة الإسرائيلية في ادعاءات بتلقيه رشاوى ، وأن صراع من أجل السلطة يعصف بحزب كاديما في ظل الفضائح المالية التي تلاحق أولمرت .
وبعد فترة وجيزة من تصريح موفاز ، قال مسؤولون امريكيون ان اسرائيل اجرت مناورات حربية واسعة خلال شهر يونيو/ حزيران الجاري في ما بدا انه تدريب لشن ضربة على منشآت نووية ايرانية، وذلك حسبما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز. ونقلت الصحيفة معلوماتها عن مسؤولين امريكيين لم تسمهم قالوا للصحيفة ان اكثر من 100 مقاتلة من طراز اف - 16 واف - 15 شاركت في هذه المناورات التي جرت فوق شرقي البحر الابيض المتوسط واليونان خلال الاسبوع الاول من يونيو/ حزيران.
في المقابل، رفض مكتب رئيس الوزراء الاسرائيلي التعليق على هذه المعلومات . واكتفى المتحدث باسم الجيش الاسرائيلي بالقول ان "سلاح الجو يجري تدريبات دائمة استعدادا لمجمل السيناريوهات والاحتمالات الموجودة"، بينما رفضت وزارة الدفاع التعاطي مع الخبر.
الا ان الصحيفة الامريكية تمكنت من الاتصال بمسؤول عسكري في وزارة الدفاع (البنتاجون) قال لها ان الهدف من هذه المناورات كان التدريب على تكتيكات الطيران وامور اخرى تتعلق بشن هجوم ضد قواعد الصواريخ الايرانية الطويلة المدى بالاضافة الى التزود في الوقود في الجو.وقال المسؤول ان الهدف الآخر لهذه المناورات هو تحذير ايران من ان اسرائيل مستعدة للتصرف عسكريا ضد ايران لمنعها من امتلاك اسلحة نووية وذلك في حال فشل سبل اخرى، حسب تعبير المسؤول العسكري الامريكي .يذكر ان الجماعة الدولية قد فرضت مؤخرا المزيد من العقوبات على طهران بسبب برنامجها النووي، الا ان ايران ترفض مزاعم التسلح النووي وتقول ان برمامجها النووي هو مدني ويهدف الى توليد الطاقة. كما قبلت ايران يوم الخميس التفاوض على رزمة جديدة من الحوافز الاقتصادية التي عرضتها بعض الدول الغربية على طهران بهدف اقناعها وقف تخصيب اليورانيوم . وكان رئيس الوزراء ايهود اولمرت قد حذر في 4 يونيو الماضي من ان اجراءات قاسية قد تكون ضرورية لمنع ايران من الحصول على اسلحة نووية.واضاف انه ينبغي اقناع ايران بانها تتعرض لعواقب "مدمرة" ان اصبحت بحوزتها اسلحة نووية.

واذا تناولنا تناولنا سيناريو الضرربة العسكرية الاسرائيلية لايران على ضوء هذه المؤشرات ، فكيف ستتم هذه الضربة ؟ وماهي تداعيات هذه الضربة على أمن الخليج العربي والأمن القومي الكويتي بالذات ؟

سيناريو الضربة العسكرية الاسرائيلية :

من المفيد أن نناقش خيار اسرائيل العسكري اذا ما قررت القيام به بصورة منفردة ، مقارنة مع عملية الهجوم على مفاعل تموز العراقي فاننا سنجد ثمة نقاط ينبغي التوقف عندها ، أولها : أن الهجوم الذي كان على مفاعل تموز قد شمل موقعاً نووياً واحداً ، وهو هدفاً يمكن تسميتة بـ"الهدف النقطي" ، وبالتالي فان حالة ايران تختلف تماماً اذ سيكون على القوة المهاجمة أن توجه ضرباتها الى مواقع نووية متعددة ومتباعدة جغرافياً في الوقت نفسة داخل العمق الايراني ، كالمواقع النووية في ( بوشهر - ناتانز- أراك-أصفهان- صفند ... وغير ذلك ) ، فضلاً عن ان المسافة التي قطعتها الطائرات الحربية الاسرائيلية عام 1981 هي أقل بكثير من المسافة التي تفصل بين اسرائيل والأهداف النووية المحتملة داخل ايران بسبب الموقع الجغرافي . وهو ما يعد عائقاً تصعب من هذه المهمة ، الا اذا وفرت الولايات المتحدة الأمريكية عبر مطاراتها العسكرية المتنقلة بالخليج العربية نقطة الانطلاق لهذه المهمة ، وهذا ما هو متوقع في حال تنفيذ هذا السيناريو .
أما المشكلة الثانية التي ستواجه اسرائيل في هذه العملية ، فهي مشكلة لوجستية أيضاً ، تتعلق بالممر الجوي الذي ستسلكة الطائرات الاسرائيلية في طريق التوجه الى تنفيذ الضربة والعودة منها ، اذ ثمة صعوبات قد تواجهها في هذه المسألة ، فالبنسبة لتركيا ، وعلى الرغم من "صنداي تايمز" البريطانية في 18-7-2004 ، قد صرحت عن أن اسرائيل قد تشن هجوماً استباقياً على مفاعل بوشهر باستخدام المجال الجوي التركي ، فتركيا ترتبط بعلاقة تحالف استراتيجي مع اسرائيل ، وبينها وبين اسرائيل اتفاقاً تم التوقيع عليه عام 1996م مازال ساري المفعول ، حيث يستمر الطيارون الاسرائيليون بالتدريب في الأجواء التركية ، ولكن من الممكن أن ترفض السماح للطائرات الاسرائيلية بعبور مجالها الجوي ، وهذا التوقع مبني على الموقف التركي الذي رفض السماح للقوات الأمريكية من المرور الى داخل الأراضي العراقية قبل وخلال عملية احتلال العراق في 2003 ، على الرغم من المغريات التي قدمتها الولايات المتحدة لتركيا ، ولعل أهم ما يبرر الموقف التركي هذا أنها لا تسمح بضرب دولة مسلمة عبر أراضيها ، لاسيما في ظل الحكومة التركية الحالية مع الأخذ بعين الاعتبار الفتور الأخير الذي بدأ يطفح على سطح العلاقة بين تركيا واسرائيل ، ولكن تواجه تركيا حالياً ضغوطا من الولايات المتحدة في هذا المجال كما يبدو ، مقابل الوقف الأمريكي الى جانب تركيا والدفع بها الى عضوية الاتحاد الأوربي ، حيث طالب مؤخراً جورج دبليو بوش بقبول تركيا في الاتحاد الاوربي .

ومن المستبعد أن تمنح المملكة العربية السعودية ذلك الترخيص لاعتبارات عديدة ، أهمها أن ذلك سيزيد من الأعمال الانتقامية التي يقوم بها ما يطلق عليهم " الفئة الضالة " من المتشددون الاسلاميون داخل الأراضي السعودية ضد أهداف محلية وأجنبية وفي مقدمتها الرعايا والمصالح الأمريكية والبريطانية ، والتي أخذت في التصاعد في أعقاب الاحتلال الأمريكي للعراق ، فضلاً عن أن من شأن ذلك أن يقوي من ادعاءات هذه الفئة التي تكفر من العائلة الحاكمة في المملكة العربية السعودية ، وتصفها بأنها " خادمة لأمريكا والغرب " ، أما على الصعيد الخارجي فان سماح المملكة للطيران الاسرائيلي بشن هجمات على أهداف ايرانية سيزعزع من أمن المملكة نفسها ، ويجعلها امام مواجهة لا تحمد عقباها مع ايران التي ستعد السعودية عندئذ مشاركة في عملية العدوان عليها .

غير أن المعبر الجوي الوحيد الأكثر احتمالاً هو الذي سيمر عبر أجواء المملكة الأردنية الهاشمية مروراً بالأجواء العراقية ، فالأردن تتمتع بعلاقات جيدة مع اسرائيل ، ومن الممكن أن تستجيب لطلبها ، أما فيما يخص الأجواء العراقية ، فهي تحت سيطرة الولايات المتحدة ، والتي من دون شك ستلبي الرغبة الاسرائيلية ان لم تكن المشجعه لها ، بل وستقدم الدعم اللوجستي على الأقل بما في ذلك عملية التزود بالوقود جواً وتأمين نوع من الحماية لتلك الطائرات ، على الأخص فيما يتعلق بالتشويش على أجهزة الرادار الايرانية وأنظمة دفاعها الجوي .

بالاضافة الى استخدام الطائرات الاسرائيلية بالضربة العسكرية الاسرائيلية ضد الأهداف النووية ، فان اسرائيل قد تلجأ الى استخدام صواريخ كروز والصواريخ البالستية وفقاً لما تملكة اسرائيل من امكانيات في هذا المجال ، على غرار الضربات الأمريكية الصاروخية التي تعرضت لها المواقع العسكرية النووية أعوام 1991و1998و2003 ، لتدمر من خلالها على أكبر قدر من الأهداف الايرانية ، سواء كانت مواقع نووية أو أنظمة للدفاع الجوي ، وهذا ما يسهل من مهمة القوة الجوية الاسرائيلية .

كما ان اسرائيل تملك صواريخ من نوع " أرو2- القاتل" الذي يتميز بالدقة في مواجهة صواريخ ذاتية الدفع من جانب ايران ، وهو نموذج مطور من صاروخ "سكود" .وكذلك صواريخ التقاطع الاسرائيلية المعروفة باسم السهم وقدرتها على تحييد ترسانة ايران من صواريخ شهاب 3 ، والذي جرب في 29يوليو2004 على سواحل كالفورنيا الأمريكية باعتراض صاروخ سكود العراقي . كذلك لا نستبعد قيام طائرات سلاح الجو الاسرائيلي بشن ضربات قوية الى أنظمة الدفاع الجوية الايرانية أو الى مواقع بطاريات الصواريخ البالستية (أرض-أرض) اذا ما تذكرنا الدور التي قامت به هذه الطائرات عام 1982 أثناء احتلالها للبنان ، حيث تمكنت من تدمير كل بطاريات الصواريخ السورية (أرض-جو) التي تم نشرها في سهل البقاع ، وأسقطت 25 طائرة سورية خلال ساعات ، وكذلك دور الطائرات الاسرائيلية في الحرب الأخير ضد حزب الله في لبنان .


* دوافع اسرائيل لتنفيذ هذا السيناريو :

  1. ان الاسترايتيجة الاسرائيلية لا تسمح بأن تكون هناك قوة نووية في منطقة الشرق الأوسط ، مما يجعلها محتكرة لهذا النوع من السلاح ، وان لم تصرح به رسمياً ، ولذلك فهي تعمل جاهدة بكل الوسائل من أجل منع أي دولة من امتلاكة ، وهذا ماحصل مع البرنامج النووي العراقي .
  2. ان اسرائيل تحظى بدعم غير محدود سياسياً وعسكرياً واستخباراتياً وأمنياً من قبل الولايات المتحدة الأمريكية ، ولذلك فانها لاتخشى أي عواقب يمكن أن تتخذ ضدها من قبل مجلس الأمن الدولي ، فمن المرجح أن تمنع الولايات المتحدة تمرير أي قرار مهما كان هذا القرار من المساس باسرائيل ، وذلك من خلال استخدام حق النقض " الفيتو " ، وهذا ما يتضح لنا من خلال تتبع قرارات مجلس الأمن الدولي .
  3. أن اسرائل تمتلك القدرات العسكرية ما يمكنها من القيام بمثل هذا العمل ، بالاضافة الى الدعم اللوجستي المتوقع من قبل القوات الأمريكية المنتشرة في العراق وبعض دول الخليج العربية .
  4. ان اسرائيل اذا ما نجحت خُططها في مهاجمة المنشآت النووية الايرانية ، فانها -بذلك - ستكون قد تخلصت من احدى القوى الرئيسية المنافسة لها في المنطقة ، وسيجعل ايران في موقف الدولة الضعيفة فيها ، وبالتالي فان ذلك سيعزز من امكانية اسرائيل في أن تلعب دوراً قيادياً في المنطقة ، فضلاً عن أنها - بذلك- ستضعف من قدرات المتفاوضين السوريين واللينانيين معها في حالة اجراء مفاوضات سلام بينها وبين هاتين الدوليتن اللتين ترتبطان بايران بعلاقات جيدة ، وفعلاً بدأت المفاوضات الاسرائيلية السورية بوساطة تركية مؤخراً ، وهو مؤشر لمحاولة اسرائيل لاضعاف محور الممانعة الذي يتكون من ( ايران-سوريا-حزبالله - حركة حماس) تمهيداً لضرب ايران .

* العقبات أمام تنفيذ هذا السيناريو :

  1. المخاوف الاسرائيلية التي المترتبة على عدم نجاح الهجوم بالشكل المؤدي الى تدمير كافة المرافق النووية الايراينة المستهدفة ، وهو أمر وارد جداً للأسباب التالية :
  • أن الايراينيين قد نشرو مواقعهم النووية على أماكن متفرقة تشمل معضم الأراضي الايرانية ، وبصورة متباعده فيما بينها .
  • متانة وقوة الاستحكامات الانشائية الى اتخذها الايرانيين لحماية هذه المنشآت ، ومنها أن الكثير من هذه المنشآت قد تم بناءها على عمق غير قليل تحت الأرض ، فضلاً عن استخدام طيقات سميكة جداً من الحواجز الخرسانية الصلبة التي تزيد من هذه الاستحكامات .
  • قدرة الاستحكامات العسكرية المتمثلة بأنظمة الدفاع الجوي الايراني المنتشرة حول هذه المواقع ، والتي لابد أن الايرانيين قد تحسبوا لطبيعة السلاح الذي يمكن أن تُهاجم به هذه المواقع من قبل أعدائه ، وخاصة من قبل اسرائيل والولايات المتحدة .
  • ضعف المعلومات الاستخبارية التي قد تعاني منها اسرائيل بصدد هذه المواقع ، والتي على الأرجح أن عمليات تمويهية قد اتخذها الايرانيين بهف عدم كشفها من قبل الأقمار الصناعية التجسسية .

2. ان اي هجوم اسرائيلي من هذا النوع سيؤدي الى رد فعل ايراني يتمثل في قيام ايران باطلاق الصواريخ البالستية من نوع شهاب3 على اسرائيل ، وربما تكشف ايران في هذه الحالة عن امكانيات لم يسبق أن أعلنت عنها في المجال اللوجستي المتعلق باستخدام طائرات القوة الجوية الايرانية ، وخاصة فيما يتعلق بعملية التزود بالوقود في الجو للطائرات المقاتلة التي ستكون ضرورية في هذه الحالة وذلك بسبب بعد المسافة التي تفصل الدولتين .

3. قد يؤدي هجوم كهذا الى تنشيط دور الحركات الاسلامية المسلحة ، مثل حزب الله في لبنان ، وحركات المقاومة الفلسطينية وفي مقدمتها "حماس" ، وزيادة حجم العمليات العسكرية الموجهة ضد قوات الاحتلال الاسرائيلي .

4. سيقوم الايرانيون المقيمون خارج ايران - وتحديداً في دول الخليج العربية وعلى رأسها دولة الكويت التي تعج بالعمالة الوافدة الايرانية ، على الأرجح بالضغط على حكومات الدول التي يقيمون فيها من خلال مظاهر الاحتجاج الذي ربما لاتخلوا من بعض مظاهر العنف والتي قد تتطور الى أعمال ارهابية كما فعلوا ذلك ابان الحرب العراقية الايرانية في عدة مواقع حيوية بالكويت، مما يعرض الأمن القومي لدولة الكويت كونها حليف استراتيجي للولايات المتحدة التي هي الداعم الرئيسي لاسرائيل ، بهدف دفع هذه الحكومات الى اتخاذ مواقف تنسجم مع رغباتهم المساندة للموقف الايراني .

5. قيام ايران بعمليات تخريبية وارهابية بدولة الكويت وبقية دول الخليج ، عبر عناصرها في هذه الدول ، لحملها على اتخاذ قرارات تخدم ايران في هذا المجال ، وتاريخ ايران في هذا المجال لايمكن ان ينكر ، خاصة فترة الثمانينات .

6. قد يؤدي الهجوم الاسرائيلي من خلال هذا السيناريو الى عرقلة الجهود التي تبذل من أجل التوصل الى انهاء الصراع العربي الاسرائيلي ، وبالتالي ، اعادة اجواء التأزم وعدم الاستقرار الى هذا الجزء الحيوي من العالم .

7. من المرجح أن تعمد ايران في حالة تعرضها الى هجوم عسكري خارجي يستهدف منشآتها النووية ، اسرائيلياً كان أو أمريكياً ، الى عرقلة خطوط الملاحة الدولية المارة عبر مضيق هرمز لاسيما ناقلات النفط المصدر من دول الخليج العربي الى الولايات المتحدة بصورة خاصة ، وأوربا واليابان بشكل عام ، وهي بهذه الخطوة ستعمل الى رفع أسعار النفط في الأسواق العالمية أكثر من المستويات المرتفعه حالياً ، وبالتالي فان هذا الأمر سيكون بمثابة الورقة القوية التي تستطيع - من خلالها ايران الضغط على هذه الدول والجماعة الدولية .

8. ستقوم ايران باللجوء الى المنظمات الدولية ، وتحديداً مجلس الأمن الدولي ، وكذلك الى منظمة المؤتمر الاسلامي ، لتحقيق أكبر قد من التأييد الدولي لاعطاء الهجوم الاسرائيلي صفة العدوان وفقاً لوصف القانون الدولي بهدف الحصول على التعويضات المقابلة للخسائر التي ستنجم من هذا العدوان ، كما أن من المرجح أن تنحو ايران الى مطالبة الدول العربية بصورة منفردة أو من خلال تنظيماتها المؤسسية الاقليمية مثل جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي على اتخاذ مواقف واضحة ومحدده من العدوان الاسرائيلي .

9. عدم القدرة على التحكم على النتائج المريعة التي ستخلفها تدمير هذه المنشآن النووية على البيئة وعلى صحة وسلامة مواطني الدول المجاورة وخصوصاً دولة الكويت التي لا تبعد عن أحد مفاعلات ايران النووية سوى 200 كيلومتر مربع تقريباً وهو مفاعل بوشهر الايراني المحاذي للسواحل الكويتية . وهذا ما يعد تهديداً مباشراً على الأمن القومي الكويتي والخليجي على السواء .

بعد تناولنا لهذا السيناريو ، نسنتنتج أن في حالة وقوعة سيؤدي الى اتجاه المنطقة الى حالة من عدم الاستقرار ، وتحويلها الى ساحة صراع ، الأمر الذي سيفاقم من أزماتها الأمنية ، اذ انها قد تنعكس على قيام ايران باتخاذ خطوات عسكرية ترد من خلالها على هذا العدوان ، فربما تستهدف - من خلالها - المنشآت النووية الاسرائيلية ، والتي هي - بلا أدنى شك - ذات امكانيات أكبر بكثير من ما تملكة ايران في هذا الجانب ، ومن الأرجح فان ايران لن تتمكن من اصابة الأهداف النووية الاسرائيلية بدقة متناهية ، مما سيعطي الفرصة الى اسرائيل وتحت ذريعة الدفاع عن النفس من استخدام هذا السلاح على مواقع معينة داخل الأراضي الايرانية ، وعندئذ فانها ستحقق هدفين في آن واحد ، الأول هو كسر شوكة القوة العسكرية الايرانية ، لاسيما ان لم تكن ايران قد حققت انجازاً نووياً عسكرياً ملموساً بعدم تمكنها بعد من امتلاك السلاح النووي ،وهي المرحلة التي ستكون الأكثر ملائمة للهجوم الاسرائيلي وفقاً لهذا السيناريو ، و من خلال الحالة التي تعاملت بها مع البرنامج النووي العراقي ، أنها تقوم - اي اسرائيل - على أساس اتاحة المجال لأي من دول المنطقة التي ترغب في حيازة هذا النوع من السلاح للعمل بصورة متواصلة على انجاز برنامجها النووي ، الذي تتناه لهذا الغرض مع وضعه - اسرائيلياً - تحت المراقبة والمتابعة الدقيقة ، الى الحد الذي تقترب منه الدولة المعنية من المراحل النهائية لتحقيق أهدافها النووية ، وبعد ذلك تنقض بصورة مفاجئة على المنشآت النووية في دول الهدف وتدميرها . ونعتقد أن اسرائيل انما تحقق - من خلال هذا الأمر - الهدف الثاني ، وهو جعل دولة الهدف تستنزف أكبر قدر من امكانياتها المادية في مثل هذه البرامج ، مما يعيقها مستقبلاً من اعادة بناء هذه المنشآت بعد تدميرها .

بناءا على ما سبق فقد ناقشنا سيناريو الضربة الاسرائيلية لايران على خلفية البرنامج النووي الايراني ، وادركنا أن أمن المنطقة وخاصة أمن الخليج العربي ودولة بمافيها دولة الكويت ، ستكون الضحية في مواجهة ماسينتج من هذه الضربة عبر مراحلها المختلفة كما ذكرنا أنفاً ، بحكم الجوار الجغرافي من جهة ، وبحكم علاقات التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية .

وبالنسبة لدولة الكويت بشكل خاص ، فان الأمن القومي الكويتي سيكون معرضاً للتهديد أكثر من ذي قبل من بين دول الخليج العربية الأخرى ، خاصة وأن دولة الكويت قد مرت بتجربة ليست مماثلة لظروف وأطراف النزاع ، ابان الحرب العراقية الايرانية فترة الثمانينات ، كونها - أي الكويت - ستكون الطرف المحايد في هذه المواجهة بناءا على تصريحات وتأكيدات المسؤولين والقياديين الكويتيين في هذا المجال ، الا أن الحياد لن يحفظ الأمن القومي الكويتي من التهديد ، كون الكويت تعج بالمصالح الغربية وخاصة الأمريكية ، من خلال تواجد أعداد ليست بكثيرة من الجنود الأمريكان في معسكر عريفجان في الجنوب ، وكذلك المصالح الغربية والأمريكية المتمثلة بالنفط ومنشآتها ، والتي قد تكون عرضة لتهديد ضد اي ضربة ايرانية أو أعمال تخريبة وارهابية من قبل الجانب الايراني مثل ماحدث ابان الحرب العراقية الايرانية حيث استهدفت ايران وقصفت 450 تقريباً من الناقلات النفطية الكويتية ، مع تدمير الجزر الصناعية النفطية والتي سميت " بحرب الناقلات Tankers War " ، ففي ديسمبر 1983 وقعت انفجارات في كلاً من السفارة الأمريكية والسفارة الفرنسية ، ومصفاة الشعيبة لتكرير النفط ، وبرج مراقبة المطار الدولي ، ومقر لسكن الأمريكان ، وعدة هجمات إرهابية من ذات المجموعات ضد المدنيين في المقاهي الشعبية والتي أسفرت عن مقتل 8 أفراد وجرح 69 آخرين ، وتبعها بعد نحو عام تقريباً هجوم انتحاري على موكب أمير دولة الكويت آنذاك الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح رحمة الله ، مما أدى إلى مقتل شخصين وإصابة 12 آخرين . ان هذا الماضي الحافل بالتهديدات والارهاب وعدم الاستقرار يدفعنا الى اتخاذ الحيطة والحذر في هذه الأمور للحفاظ على أمن الدولة القومي ، ونعتقد أن دولة الكويت قد اتخذت خطوات جادة في هذا المجال من خلال خطط الطوارئ في مواجهة هذه الاحتمالات خاصة البيئة وتداعيات المواجهة بين ايران وأدي دولة كانت ، وكانت مبادرة اسطنبول من قبل حلف الناتو خير دليل على ذلك ، من خلال توقيع عدة اتفاقيات امنية بين الكويت وحلف الناتو في المجالات الأمنية والعسكرية ، وكذلك فيما يتعلق بالاتفاقيات الأمنية المبرمة بين الكويت ودول مجلس الأمن الدائمة العضوية ...

هذا بالنسبة لتوقعاتنا بناءا على قراءاتنا لبعض المؤشرات والمعطيات ، ولكن لنتذكر أن في حال وقوع هذا السيناريو فان الواقع سيكون أمر من النظرية والتوقع ....