الجمعة، 11 سبتمبر 2009

4-5: العولمة Globalization

* الأبعاد الاقتصادية لظاهرة العولمة :
إن البعد الاقتصادي لظاهرة العولمة يمثل البعد الواقعي مقارنةً بالبعدين السياسي والثقاقي ، فقد همين الطابع الاقتصادي على ظاهرة العولمة فطغى على أبعادها الأخرى ، وتتمثل الأبعاد الاقتصادية للعولمة في مجموعة من المستجدات أو التطورات التي برزت بشكل واضح خلال العقد الأخير من القرن العشرين والتي طرأت على أنماط التفاعلات الاقتصادية الدولية شكلاً ومضموناً ، وأبرز هذه الأبعاد :
1. تراجع قدرة الحكومات الوطنية على توجيه الأنشطة الاقتصادية أو السيطرة عليها: وبالتالي انتقال مركز الثقل الاقتصادي من الوطني إلى العالمي ، أي من الدولة إلى القوى عبر القومية أو المؤسسات العالمية أي " عولمة الاقتصاد " ليس " تدويل الاقتصاد " . ويرى ثامبسون Thampson أن تدويل الاقتصاد يشير إلى : " تداخل الاقتصاديات القومية بحيث يكون الاقتصاد الدولي اقتصاداً كلياً تتمثل وحداته الرئيسية في اقتصاديات قومية أو مؤسسات وطنية تتقيد بأقاليم معينة على الرغم من وجود اعتماد متبادل بين هذه الكيانات الإقليمية .
أما عولمة الاقتصاد مايعرف بالاقتصاد المعولم Globalized Economy يشير إلى " حودث تغير هيكلي في بنية الرأسمالية العالمية ، وأن الكيان الرئيسي هو الاقتصاد الكوني ، أي أن العلاقات والتفاعلات الاقتصادية لم تعد نابعة من أساس قومي ، وبالتالي فان الاقتصاد الكوني هو من يحدد ويفرض الممكن وغير الممكن على المستوى القومي (18).
2. تزايد سطوة المؤسسات والمنظمات الاقتصادية العالمية في مجال فرض النظم الاقتصادية الدولية : إن من أبرز مظاهر العولمة تزايد النزعة نحو الحكم على المستوى العالمي في المجال الاقتصادي ، ووضع معايير للتفاعلات الاقتصادية من خلال المنظمات الدولية " كالبنك الدولي للإنشاء والتعمير وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية ، حيث أصبح هذا الثالوث بمثابة آلية التحكم والتوجيه للاقتصاد العالمي ، ولعل ما يدلل على ذلك ما أعلنه مدير WTO بتصريح له : " إننا نكتب دستور اقتصاد عالمي واحد " (19).
وينص ميثاق منظمة WTO على : " أن يكفل كل عضو توافق قوانينه ولوائحه وإجراءاته الإدارية مع التزاماته تجاه المنظمة " ، وهي المرة الأولى التي تمنح فيها مؤسسة دولية سلطة تجاوز المصالح القومية لأعضائها والتضحية بها ، كما تملك المنظمة سلطة توقيع العقوبات بصورة آلية على أي طرف تدينه لجان الخبراء ما لم تصوت الدول الأعضاء بالإجماع ضد هذه العقوبات خلال 90 يوماً .
أما منظمة المعايير العالمية ISO فهي تضع معايير الجودة في نشاط الإنتاج ، والتي يتعين توافرها في المنتج ذاته أو في العملية الإنتاجية وما يتصل بمقتضيات الحفاظ على البيئة ، وهي معايير تضعها القوى المهيمنة على تشريعات التجارة العالمية في وجه الاقتصاديات النامية لحرمانها من المزايا النسبية التي تتمتع بها كوفرة الموارد أو رخص الأيدي العاملة ، وذلك لتحميلها أعباء تكاليف إضافية لتحطيم قدراتها التنافسية في الأسواق العالمية .
3. تنامي الاتجاه نحو التخصص وتقسيم العمل على المستوى العالمي في ظل عولمة الإنتاج: إن هذا النمط من التخصص وتقسيم العمل الدولي من شأنه أن يؤدي إلى زيادة معدلات التراكم الرأسمالي في دول الشمال المتقدم . وهو ما ينذر باتساع الفجوة بين دول الشمال والجنوب ، فالعولمة تهدف إلى نقل الإنتاج الرأسمالي إلى مجتمعات الأطراف "الهامش" بعد أن كانت حكراً على مجتمعات المركز (20).
4.تزايد سطوة الشركات المتعددة الجنسيات وهيمنتها على الاقتصاد العالمي : تشير الإحصائيات أنه مابين 200 من القوى الاقتصادية الكبيرة بالعالم هناك نحو 160 منها من الشركات العابرة للقومية ، وأربعين فقط من حكومات الدول القومية ، وتنامي قوة هذه الشركات أضعف من مواجهة قوة دول الجنوب لها التي باتت تمثل فريسة لهذه الإمبراطوريات الاقتصادية العملاقة وتمثل الاستغلال بالآتي :
· استخراج الخامات والموارد الطبيعية ومصادر الطاقة بأسعار متدنية : من الدول النامية استجابة لتطلعات ومصالح وأطماع القوى الكبرى . وهو ما يتعارض مع مفهوم التنمية المستدامة في هذه الدول .
· استغلال العمالة المحلية الرخيصة الجر : في ظل غياب تنظيمات عمالية قوية بالدول النامية .
· توفير معظم الاستثمارات المطلوبة من مصادر محلية : فضلاً عن مصادر التمويل الأجنبي لشراء الآلات والمعدات .
· الاستحواذ على نسبة كبيرة من القروض : والمقدمة من قبل المؤسسات المالية والدول المانحة ، مع زيادة فوائد ديون العالم النامي .
· الاعتماد على خبرة الدول الصناعية التكنولوجية: وعدم إتاحة المجال أمام دول الجنوب لبناء قاعدة علمية أو تكنولوجية خاصة بها .
· التحايل والتهرب الضريبي : وذلك على السلطات الضريبية في دول الجنوب بعدم إظهار الأرقام الحقيقية للأرباح المحققة .
· عدم الالتزام بمعايير الأمان في المصانع : و المقامة في دول الجنوب مما قد يعرض العمالة والبيئة في هذه الدول لمخاطر كبيرة ، كما حدث في مصنع يونيون كاربايد في بوبال بالهند عام 1984 .
· لجوء هذه الشركات إلى أساليب غير مشروعة : كالرشوة واستغلال مظاهر الفساد السياسي المنتشر بالدول النامية تحقيقاً لمصالحها حتى ولو على حساب الإضرار باقتصاديات دول الجنوب ومصالحها الوطنية .
· تكوين اتحادات منتجين Cartels غير رسمية : وذلك بين الشركات العالمية للحد من المنافسة فيما بينها حول الأسواق العالمية . ونشأة الاحتكارات الدولية .
· هوس الاندماج Mergermania : وهي " اندماج الشركات العملاقة مع بعضها أو العمل على شراء الشركات المنافسة لها ، بدافع تحجيم المنافسة وزيادة الكفاءة الاقتصادية ، والاستفادة من مزايا التكامل ، وكذلك اقتسام الأسواق ، مما أدى إلى ظاهرة التركز Concentration حيث سيطرت حفنة قليله من الشركات العملاقة الناشئة عن هذه الاندماجات على قطاعات إنتاجية أو خدمية بأكملها .
مثال : شركات أمريكان أكسبرس وماستر كارد وفيزا تدير فيما بينها حوالي 95% من حجم المعاملات العالمي عن طريق بطاقات الائتمان (21).
5. تزايد درجة الاعتماد الاقتصادي المتبادل على المستوى العالمي : كان من شأن النمو الهائل للتفاعلات الاقتصادية الدولية والتشابك المعقد بين مصالح قوى الرأسمالية العالمية . ان غدا الاقتصاد العالمي موحداً ومترابط الأركان بحيث لم يعد من الممكن لأي اقتصاد قومي أن يعمل بمعزل عن المؤثرات العالمية . وهذا يظهر بشكل جلي في مجال الأسواق المالية والنقدية .
6. سيادة الفكر الاقتصادي الليبرالي على النظام الاقتصادي العالمي : وذلك لسقوط مصداقية الفكر الاقتصادي الماركسي في الاتحاد السوفييتي السابق وفي دول شرق أوروبا وفي العديد من دول الجنوب ، وهو ما أتاح دمج اقتصاديات هذه الدول في منظومة النظام الرأسمالي العالمي ، والقضاء على الثنائية الأيدلوجية . وذلك منذ مطلع التسعينات بالتحول إلى نظام آليات السوق بدل أساليب التخطيط المركزي وتقليص التدخل الحكومي من خلال عمليات "الخصخصة" ، ولاتي لها اعتبارات وضوابط إن لم تتبع ستضر الأمن القومي للدولة .
7. تزايد الاعتماد على التكنولوجيا الفائقة وتراجع الحاجة إلى العمالة البشرية : فضلاً عن محاولة استخدام العمالة الأرخص أجراً . فعلى سبيل المثال لا الحصر فقد دفعت شركة (فولكس فاجن) الألمانية شعار " سيارات أكثر " و " عمل بشري أقل " بشكل يرفع أرباح المساهمين خمسة أضعاف . وكذلك ألغت الصناعات الحربية الأمريكية بعد الحرب الباردة نصف مليون فرصة عمل ، وبريطانيا بتطبيقها الخصخصة 113000 فرصة عمل ، وفرنسا 1.800000 فرصة عمل (22).
وكذلك اتجاه شركات IBM – Hewlett – Motorola إلى استخدام خبراء وفنيين من الدول الآسيوية " كالهند و الصين " ، وأحياناً تستأجر طائرات لنقل هؤلاء من موطنهم الأصلي .
8.توحش النزعة الاستهلاكية والترويج لثقافة المستهلك العالمي : و يقوم على أساس السعي المحموم للحصول على تشكيله من السلع التي سرعان ما يزهدها المستهلك عادةً، ومن ثم ينبذها بحيث تحقق الإشباع اللحظي. وهي ترتبط بإشباع الحاجات العارضة غير الضرورية ذات الطابع الترفي والتفاخري كالأزياء العالمية أو سلع ذات علامات تجارية مرموقة . فالنزعة الاستهلاكية تحرص على خلق أو إذكاء الحاجة لدى المستهلك بذات القدر من الحرص على إشباعها . وتلعب الدعاية والإعلان دوراً رئيسياً بذلك(23) .
* الأبعاد الثقافية لظاهرة العولمة : الثقافة هي " مجموعة القيم التي تعتنقها جماعة ما ، وتنصاع لها في اختياراتها وفي أسلوب معيشتها وهي عنصراً محدداً ورئيسياً من العناصر الموجهة للسلوك الإنساني بوجه عام ، وهكذا فان السعي إلى التأثير في سلوك الأفراد والجماعات قد يستلزم التأثر في عقولهم وإراداتهم ، أي في ثقافتهم . ومن هنا قد حرص الداعون إلى العولمة والمدافعون عنها على الترويج لمجموعة مترابطة من القيم وبثها على المستوى العالمي بهدف التمكين لسياسات العولمة ، وتهيئة المجتمعات لتقبلها .
والعولمة الثقافية قد تمثلت في المظاهر التالية :
1. التمكين للنزعة المادية على حساب النزعة الروحية :
بحيث يولي الإنسان في عصر العولمة وجهة شطر الماديات ، وينأى عن الاعتبارات القيمية ، حيث اتجهت آليات العولمة الثقافية " كالسينما و القنوات الفضائية الموجهة " نحو التسطيح الثقافي والتجهيل والتركيز على مواد الترفيه الخالية من أي مضمون قيمي أو معنوي ، بحيث لا تثير الفكر أو التأمل لدى المشاهد . بل تركز على إثارة الغرائز ومخاطبة المشاعر بحيث لا تخلف وراءها أي أثر تثقيفي حقيقي .
2. محو الخصوصية الثقافية والترويج لفكرة الثقافة العالمية :
فهدف العولمة إزالة الحدود الفاصلة بين المجتمعات والقضاء على فكرة محلية والإقليمية ، وبالتالي ثقافياً تهدف لمحو الهوية الثقافية لمجتمعات الأطراف وطمسها . فالهوية الثقافية لأي مجتمع إنما تتمثل أساساً في ذلك الشعور بالانتماء والولاء لنسق قيمي معين . ويتواكب محو الهوية الثقافية الترويج للثقافة العالمية على اعتبار أن ثمة مشتركاً إنسانيا عاماً بين البشر عالمياً ، وأخذ بالاتساع بعامل الاحتكاك والتفاعل والاتصال الإنساني ، وهو ما ينبئ إلى قرب التوصل إلى ثقافة عالمية موحدة ، والترويج إلى ثقافة الصورة Image والتي لاتحتاج للمصاحبة اللغوية لإدراكها ، مما صاحب ذلك تراجعاً شديداً لمعدلات القراءة وانحدار ثقافة الكلمة (24).
3. التمكين لسيادة القيم الغربية والأمريكية ولنمط الحياة الأمريكية :
وذلك من خلال هيمنة الثقافة الغربية بوجه عام والثقافة الأمريكية بشكل خاص ، لعدة عوامل :
أ‌- السيطرة الغربية والأمريكية على تكنولوجيا الإعلام والاتصال ونقل المعلومات .
ب‌- السيطرة على إنتاج المادة الإعلامية : والثقافية والصحافة والسينما وعالم الكمبيوتر وشركات البث الفضائي التلفزيوني والترفيهي للأطفال والوكالات الإخبارية .
ت‌- الهيمنة على عمليات التسويق العالمي : من قبل شركات الإعلان الأمريكية والقدرة على تشكيل أذواق واتجاهات ورغبات المستهلكين أو المتلقين .
ث‌- قوة الاقتصاد الأمريكي : مما دفع للإنتاج الثقافي من خلال السينما والموسيقى والتلفزيون .
ج‌- المكانة المرموقة للمؤسسات البحثية والتعليمية الجامعية الأمريكية : من خلال النجاحات البارزة في مجالات الإبداع والتطوير العلمي والتكنولوجي . مما جعلها قبلة النخب المثقفة في جميع دول العالم ، بالتالي التأثر بالمجتمع الأمريكي .
ح‌- اللغة الانجليزية ذات اللهجة الأمريكية باتت تشكل لغة عالمية : وذلك منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية ، مما هيأ للثقافة الأمريكية بالانتشار .
خ‌- انتصار المعسكر الليبرالي على المعسكر الماركسي : بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية ، مما جعلها محط إعجاب أبناء دول الجنوب باعتبارها تمثل النموذج الأمثل للتنظيم السياسي والاجتماعي والاقتصادي ، مما جعل القيم الأمريكية تلقى قبولاً عاماً . وانحسار هذه القبول والإعجاب بالسياسة الأمريكية بعد الحرب الباردة وافتقادها للمصداقية . وبروز نظرية " صدام الحضارات " كما أشار صامويل هانتجتون (25).
كما أن القيم التي تعكس مكونات الثقافة الإعلامية الجماهيرية الأمريكية هي كالتالي :
· الفردية : بإقناع الفرد بأن حقيقة وجودة محصورة بفرديته ، وكل ما عداه لايعنيه ، بهدف تحطيم الرابطة الجماعية الاجتماعية ، تمهيداً لإلغاء الهوية القومية بحيث يبقى فقط بالإطار العالمي .
· الخيار الشخصي : وهو يرتبط بالفردية ، بتكريس النزعة الأنانية لدى الأفراد تحت سيطرة وهم حرية الاختيار والحرية الشخصية . والقضاء بذلك على فكرة الوعي الاجتماعي والولاء وطمس الروح الجماعية .
· الحياد : أن كل الأفراد والأشياء المحيطة بالإنسان تتسم بالحياد . وبالتالي الأمور كلها سيان بالنسبة له . مما يؤدي إلى غلبة قيم اللامبالاة ، أي تكريس التحلل وعدم الارتباط بالمبادئ والأخلاقيات .
· الاعتقاد في الطبيعة البشرية التي لا تتغير : بالنظر للفوارق الاجتماعية بوصفها أمورا طبيعية لايمكن تغييرها ، بهدف تكريس النزعة السلبية وشل روح المقاومة ، وبث روح الاستسلامية مما يحبط أي محاولة لتغيير الواقع .
· الاعتقاد في غياب الصراع الاجتماعي: أي إشاعة مناخ الاستسلام للجهات المستغلة وللقوى المهيمنة ، وينتهي الأمر بالأفراد بقبول التبعية والخضوع للهيمنة عن طيب خاطر .
الحواشي :
(18) ورد في :
Waters, M.; Globalization ( Routledge, London, 1995 ), p.102 .
(19) Ibid
(20) محمد عابدي الجابري ، العولمة والهوية الثقافية ، مجلة المستقبل العربي ، مركز دراسات الوحدة العربية ، العدد228 ، بيروت فبراير 1998 ، ص19 .
(21) المرجع السابق ، ص26 .
(22) ممدوح محمود منصور ، ( م . س . ذ ) ، ص77 .
(23) قدري محمود إسماعيل ، الاتجاهات المعاصرة وما بعد المعاصرة في دراسة العلاقات الدولية ، ط1 ، أليكس لتكنولوجيا المعلومات ، الإسكندرية 2004 ، ص145 .
(24) حيدر إبراهيم ، العولمة وجدل الهوية الثقافية ، مجلة عالم الفكر ، الكويت ، عدد ديسمبر1999 ، ص95- ص97 .
(25) المرجع السابق ، ص107

الاثنين، 7 سبتمبر 2009

3-5: العولمة Globalization

بناءاً على ما سبق ذكرة فإن العولمة عملية مدارة، أي أنها تتمثل في مجموعة من الأنشطة الغائية التي تقبع خلفها إرادات واعية، والتي تستهدف تحقيق غايات معينة . وهكذا يمكن القول بأن ثمة إرادات تدبر وتدير هذه الأنشطة تحقيقاً لغايات محدودة واعتماداً على الوسائل والأساليب والأدوات الملائمة. وعلى قدر تباين هذه الوسائل والأدوات من حيث طبيعتها ، تتعدد وتتنوع أبعاد ظاهرة العولمة من سياسية، واقتصادية ، وثقافية ، واجتماعية، وعسكرية، وسكانية، واتصالية، وتكنولوجية، وبيئية، ومعرفية. إلا أننا وفي هذا التقرير سنكتفي بالأبعاد السياسية و الاقتصادية و الثقافية، والتي أثرت بشكل مباشر و غير مباشر على العلاقات الدولية .
* الأبعاد السياسية لظاهرة العولمة :
لقد تعددت وتنوعت انعكاسات ظاهرة العولمة على المجال السياسي داخلياً وخارجياً على حد السواء ، ولعل أبرز هذه الانعكاسات صعوبة الفصل وعلى نحو متزايد بين ماهو داخلي وبين ماهو خارجي ، فلقد ارتكزت أسس التنظيم الدولي – ومنذ قرون عديدة – على النظر إلى جماعة الدول باعتبار كل أن دولة تمثل وحدة سياسية متميزة عما عداها من الدول ، كما اقتصرت العلاقات الدولية – في بداياتها الأولى – على صورتين من صور التعامل الدولي الرسمي ألا وهما صورتا : الدبلوماسية ، والإستراتيجية (الحرب) . وهكذا ، وفي ظل النظر إلى الدول كوحدات مستقلة منعزلة عن بعضها البعض ، واقتصار التفاعل فيما بينها على أضيق نطاق . كان من الميسور الفصل بين ما يُعد من الشؤون الداخلية للدول . والتي لايصح للغير التدخل فيها عملاً بمبدأ " عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى " ، وبين ماهو دولي أو خارجي . غير أنه بمرور الوقت أخذت هذه الفكرة تتراجع تدريجياً تحت ضغط التفاعل المتزايد فيما بين الدول سواء على المستوى الرسمي أو غير الرسمي ، ونتيجة لتنامي ظاهرة الاعتماد الدولي Interdependence . بحيث لم يعد يُنظر إلى الحدود الإقليمية كحاجز أو كعائق يحول دون التفاعلات الدولية ، وقد أدى ذلك إلى ظهور الفكرة التي عرفت بسياسات الترابط Linkage Politics بمعنى الترابط بين الأوضاع الدولية العالمية وبين الأوضاع المحلية الداخلية والعكس (14).
كما تجدر الإشارة كذلك إلى أن ظاهرة العولمة قد تواكبت مع التحول الذي طرأ على صورة النسق العالمي : من صورة النسق ثنائي القطبية إلى صورة جديدة راحت تعرف بالنسق أحادي القطبية Unipolar System الذي تتزعمه الولايات المتحدة الأمريكية ويدور في فلكها مجموعة من الدول الصناعية الكبرى (دول الشمال الغني) ، بينما تمثل دول الجنوب مجموعة الدول التابعة نظراً لفقرها الاقتصادي وضعفها الاستراتيجي ومن ثم افتقارها إلى أهم أداتين من أدوات التأثير الدولي في عالمنا المعاصر ، بحيث باتت هذه الدول تمثل – تبعا لذلك – مجرد مسرح للنافس فيما بين القوى الكبرى . وتتمثل أبرز الأبعاد والانعكاسات السياسية للعولمة فيما يلي :
1. تراجع مبدأ السيادة الوطنية للدول " Sovereignty " : يمثل هذا المبدأ والذي نبه اليه جان بودان Jean Bodin عام 1576 – حجر الزاوية للتنظيم الدولي ، حيث أقرته كافة القوانين والمعاهدات والأعراف الدولية . غير أن مفهوم السيادة قد لحقه التغيير بشكل ملموس منذ منتصف القرن العشرين، وذلك لعدة أمور:

· التوسع المتزايد في إبرام الاتفاقيات الدولية الشارعة والنظم الدولية : والتي تتضمن قواعد وأحكام ملزمة لعموم الدول ( كنظم الرقابة والإشراف الدولي -والتحقيق والتفتيش بمجالات حقوق الإنسان – والتسلح النووي – واتفاقيات العمل الدولية .... الخ ) .
· الاتجاه المتنامي نحو احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية : كفالة الضمانات الدولية لعدم انتهاك هذه الحقوق بدعم من الأمم المتحدة .
· دعوة بعض فقهاء القانون الدولي للموائمة بين اعتبارات الصالح الدولي ومقتضيات السيادة الوطنية للدول : وعلى رأسهم Alvares في نظريته عن الاعتماد الدولي الاجتماعي المتبادل .
· الاتجاه المتزايد نحو إقامة الكيانات الدولية العابرة للقومية Transnational ، أو فوق القومية .
· بروز مشكلات دولية تستلزم تكاتف الجهود الدولية والدول للتوصل إلى حلول بشأنها : كمشكلات البيئة والتلوث ومشكلات الطاقة وندرة المياه العذبة والجفاف والتصحر والتضخم والبطالة والفقر ونقص الغذاء والإرهاب والعنف السياسيات وانتشار الأمراض كالايدز والمخدرات والجريمة المنظمة .
· تزايد إمكانية التدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى : تحت أعذار إنسانية وحماية حقوق الإنسان وحقوق الأقليات العرقية ، والتدخل بدعوى مقاومة الإرهاب الدولي ، مع عدم وجود معايير واضحة يتقرر على أساسها التدخل أو عدم التدخل ، وهو ما يعرف بمشكلة "ازدواجية المعايير" أو سياسة "الكيل بمكيالين" .
ويرى بعض الساسة أن العالم يشهد حالياً ما يمكن تسميته " بأفول السيادة " ، حيث يرى البعض أن النسق العالمي قد انتقل فعلاً إلى مرحلة ما بعد السيادة Beyond Sovereignty ، ويرى كل من Clark و Williams ضرورة إعادة النظر في مفهوم السيادة وتقديم تعريف واقعي له مثل " السيادة الجزئية " أو المقيدة أو المشتركة ، وأن المدلول المعاصر لمفهوم السيادة يشير حالياً لقدرة الدولة على تدبر أمورها في إطار علاقاتها بالدول الأخرى على نحو يكفل لها حماية مصالحها . وهناك من يرى رفض فكرة إعادة تعريف مفهوم السيادة أو تحديد مفهوم معاصر له ويرون من الأفضل الاعتراف بتجاوز هذا المفهوم والانتقال لما يسمى بمفهوم الحكم في مرحلة ما بعد السيادة (15).
2. تراجع قوة الدولة القومية وتضاؤل دورها : وذلك بدخول لاعبين رئيسيين للنسق الدولي كالشركات المتعددة الجنسيات أو عابرة القوميات MNC'S ، والمنظمات غير الحكومية NGO'S ، والمنظمات الدولية فوق القومية "كالاتحاد الأوروبي" .
ومن أبرز الأسباب والعوامل التي هيأت إلى إضعاف دور الدولة القومية ، مايلي :
· سقوط الاتحاد السوفييتي كقوة قطبية: وما ترتب عليه من تهاوي الأنظمة الشمولية التي تعظم دور الدولة ومؤسساتها ، وتأخذ بنظم التخطيط المركزي . وظهور الدعوة للأخذ بالأيدلوجية الليبرالية والتعددية ، وإتاحة المجال أمام آليات السوق لتوجيه دفة التفاعلات الاقتصادية .
· الاتجاه نحو التحول الديمقراطي والأخذ بالتعددية السياسية : سواء على نحو جاد بتحرك شعبي حقيقي ، أو على نحو شكلي بالأخذ ببعض الواجهات الديمقراطية كنوع من أنواع مسايرة الركب على الساحة الدولية مع دعوة أنصار العولمة إلى تفعيل دور المجتمع المدني .
· الاتجاه نحو الأخذ بالحرية الاقتصادية : مواكبة للتحول الديمقراطي سياسياً بالأخذ بنظام اقتصاديات السوق وتخفيف قبضة الحكومة على النشاط الاقتصادي داخلياً وخارجياً وهذا ما يضعف قدرة الدولة والحكومات على إدارة الاقتصاديات الوطنية ، الأهداف الحقيقية وراء تبني هذه السياسة :
أ‌- إضعاف القدرة الاقتصادية للحكومات الوطنية : بعد تصفية القطاع العام والحد من قدرتها بالتأثير على السوق المحلية .
ب‌- إضعاف السيطرة الحكومية على الأفراد : كون الحكومة لم تعد صاحب العمل الأكبر وبالتالي عدم السيطرة عليهم .
ت‌- إتاحة المجال أمام الرأس المال الخاص والأجنبي للسيطرة على الاقتصاد الوطني : من خلال تملك المشاريع وبالتالي السيطرة على المقدرات الاقتصادية للدولة والتحكم بها .
ومن نتائج الأخذ بسياسة الخصخصة والحرية الاقتصادية :
أ‌- عدم قدرة الحكومات الوطنية من إدارة وتوجيه النشاط الاقتصادي: وبالتالي عدم القدرة على وضع التشريعات والقوانين الاقتصادية.
ب‌- عدم توافر البيانات والمعلومات والمؤشرات الاقتصادية: لاسيما في ظل تخلف نظم المعلومات في العديد من الدول النامية مما انعكس سلباً على عملية رسم السياسات العامة الاقتصادية.
ت‌- الآثار الاجتماعية السلبية : بفقدان العديد من المواطنين والعمال وظائفهم مما أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة . مما ينبئ لحدوث مشكلات اجتماعية خطيرة " كالجريمة / الإدمان / تفاوت الدخل " مما يؤدي لزعزعة الاستقرار الاجتماعي والسياسي في العديد من الدول .
وبذلك يتضح أن العولمة قد هيأت لإضعاف الدولة سياسياً واقتصادياً بحيث باتت عاجزة عن تلبية المتطلبات و الاحتياجات المتزايدة للشعوب فضلاً عن عجزها عن التدخل لحماية المصالح الاقتصادية الوطنية في مواجهة سياسات وضغوط العولمة (16).
3. بروز مفهوم الحكم Governance كبديل للحكومة Government : يرى دعاة العولمة أن مفهوم الحكم أكثر تعبيراً وتناسباً مع الواقع السياسي والوطني والدولي حالياً من مفهوم الحكومة ، فلم تعد الحكومات وحدها تحتكر الوظائف السياسية في الدولة (وظائف الحكم) ، بل باتت تشاركها عدة جهات داخلية وخارجية ، وفقاً لما يلي :
· تزايد دور المنظمات الدولية العالمية والإقليمية والمتخصصة : ( كالأمم المتحدة – الاتحاد الأوروبي – صندوق النقد الدولي – البنك الدولي ... الخ )
· تزايد الاتجاه نحو إرساء العديد من النظم الدولية في العديد من المجالات في العلاقات الدولية : ويقصد بالنظم الدولية ما ذكره Krasnar : " مجموعة من المبادئ الضمنية أو الصريحة ، وكذلك الأنماط وقواعد السلوك ، وآليات صنع القرار ، التي تلتقي عليها مجموعة من الدول أو تنصاع لها فيما يتصل بمجال معين من مجالات العلاقات الدولية " . كالاتفاقيات العامة للتجارة والتعرفة الجمركية GATT والتي هيأت لقيام منظمة التجارة العالمية WTO .
· تزايد الدور الذي تلعبه بعض الهيئات الداخلية "دون الدولية" : كالكيانات المحلية أو البلدية في العلاقات الدولية على نحو يتجاوز أحياناً الدور الذي تمارسه الحكومات المركزية . فهناك عدة مقاطعات كندية وصينية وبعض الولايات الأمريكية توفد مبعوثين لها لدى الدول الأخرى وتمارس دورها باستقلالية نسبية . مثال : ( مجلس الأقاليم الأوروبية / لجنة الاتحاد الأوروبي للمناطق / اتفاقيات التعاون أو التآخي بين المدن / منظمة المدن العربية . الخ ).
· تزايد دور الهيئات فوق الدولية والمتعددة القومية : فالبنك الدولي وصندوق النقد الأصلي من برامج تنموية لتحقيق الاستقرار النقدي العالمي ليصل إلى حد التدخل في توجيه السياسات والبرامج الاقتصادية في العديد من الدول بدعوى تحقيق الاستقرار الاقتصادي ، أو ما يعرف برامج التكيف الهيكلي ، التي تفرض على الدول الأخذ بسياسات معينة (ذات توجه ليبرالي) . وإرسال المراقبين للتأكد من مدى التزام الحكومات بتعليماتها . " وهو شكل من أشكال الوصاية الدولية الجديدة " .
· النمو الهائل في قوة الشركات المتعددة الجنسيات : حيث تضخمت رؤوس أموال هذه الشركات وحجم عملياتها الذي زاد على 7 تريليون دولار أمريكي ، أو من حيث عدد العاملين في فروعها المنتشرة في العالم .
مثال : حجم عمليات شركة "جنرال موتورز" يفوق إجمالي الناتج القومي للدانمرك ، كما أن حجم عمليات شركة فورد Ford الأمريكية يفوق إجمالي الناتج القومي لجنوب أفريقيا ، وكذلك حجم عمليات شركة تويوتا Yoyota اليابانية يزيد على إجمالي الناتج القومي للنرويج .
· تزايد حدة النزعة الأوليجارشية على مستوى النسق الدولي : مع تواكب مولد ظاهرة العولمة تراجع الاتحاد السوفييتي السابق عن موقعة كقوة قطبية . وتحول النسق لأحادي القوة القطبية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية التي سيطرت وتحكمت في مجريات الأحداث العالمية مع تماسك المعسكر الليبرالي تحت لوائها مع انسياق الاتحاد الروسي وحذر السياسة الخارجية الصينية. العالم حالياً يشهد ما يسمى بحكومة الثمانية الكبار G8 ، والتي تضم الدول الصناعية السبع الكبرى + روسيا ، وهي شبيهة إلى حد بعيد بفكرة حكومة الخمسة الكبار التي عرفتها أوروبا خلال القرن 19 " عصر التضافر الأوروبي " . وتتحكم حكومة الثمانية في توجيه دفة الشئون الدولية مع الولايات المتحدة ، وباتت تفرض رؤاها الخاصة على العالم ككل مع ازدواجية المعايير أو الكيل بمكيالين (17).
4. تزايد الاتجاه نحو التكتل الدولي بين دول الشمال مع تزايد حدة التفتت و التشرذم في دول الجنوب : هناك ثمة نزوعاً نحو التكتل السياسي والاقتصادي الإقليمي بين الدول المتقدمة ، وتفكك وتفتت سياسي على العديد من الكيانات السياسية في شرق أوروبا والاتحاد السوفييتي السابق وفي مناطق أخرى بالعالم لضعف السلطات الوطنية أو الصراعات العرقية و الطائفية والحروب الأهلية . حيث أن نزعة التكتل الإقليمي في دول الشمال تتمحور حول اعتبارين هما : ( التكامل الاقتصادي – التعاون الأمني ) .
مثال : ( الاتحاد الأوروبي – مجموعة دول أمريكا الوسطى1960 – مجموعة دول شمال أفريقيا 1991 – مجموعة جنوب شرق آسيا 1968 – مجموعة دول الكاريبي 1973 – مجلس التعاون لدول الخليج العربية 1981 – مجموعة وسط أوروبا 1989 – مجموعة دول أمريكا الجنوبية 1995 ) .
في ظل سياسات العولمة تتجه القوى الكبرى كما ذكرنا آنفاً للتآلف فيما بينها مكونة كياناً أكبر لتصبح أكثر قدرة على التنسيق والتحكم وتوجيه مجريات الأحداث الدولية ، في تبقى الدول الصغيرة ضعيفة مفتتة فلا تجد أمامها سوى خيارين أحلاهما مر ، فإما التعلق بأذيال القوى الكبرى والخضوع والتبعية لها ، وإما الغرق في بحار العولمة والانتهاء إلى التخلف والتهميش والخروج من التاريخ . فدول الجنوب تعيش على هامش التفاعلات الدولية وفق معايير تخدم مصالح القوى الكبرى بالمقام الأول والأخير .
الحواشي:
(14) عبدالخالق عبدالله ، العولمة : جذورها و فروعها و كيفية التعامل معها ، مجلة عالم الفكر ، الكويت ، عدد ديسمبر 1999 ،ص39 .
(15) المرجع السابق ، ص80 .
(16) ممدوح محمود منصور ، ( م . س . ذ ) ، ص47 .
(17) أحمد الرشيدي ، التطورات الدولية الراهنة ومفهوم السيادة الوطنية ( سلسلة بحوث سياسية "85" ، مركز البحوث والدراسات السياسية ، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ، جامعة القاهرة ، 1994 ) ص8-ص11 .

الجمعة، 4 سبتمبر 2009

2-5: العولمة Globalization

وبعد أن عرفنا العولمة في المقال السابق، لزم علينا تكملة الموضوع من جوانبة الأخرى، عن كيفية ظهور العولمة، والاتجاهات المختلفة في تفسير ظاهرة العولمة، والمنطلقات الأيدلوجية للعولمة .
* كيف برزت العولمة ؟
1. الثورة الصناعية في القرن 18 : حيث برز مفهوم العولمة بداية في مجال الاقتصاد ، كنتاج للثورة العلمية والتكنولوجية والتي مثلت نقله جديدة لتطور الرأسمالية العالمية في مرحلة ما بعد الثورة الصناعية ، وبانطلاق هذه الثورة في انجلترا أدى التطور في استخدام الطاقة ( البخار والكهرباء ) إلى تغير جذري في أسلوب وقوى وعلاقات الإنتاج ، مما أدى إلى الخروج من عصر الإقطاع وبداية مراحل التطور والتوسع الاقتصادي والحصول على الموارد الطبيعية وفتح الأسواق العالمية وارتباط ذلك بظاهرة الحروب الأوروبية والاستعمار الخارجي لتوفير احتياجات الرأسمالية الصاعدة ، ومع استمرار التطور التكنولوجي وثورة المعلومات والاتصالات ونمط الإنتاج وطبيعة تغيرات شكل التعاملات والتفاعلات الدولية . وضرورة تجاوز الحدود القومية والأوضاع الاحتكارية وإعادة توزيع الدخل والعمل على رفع مستوى المعيشة وتوسيع أسواق الدول الصناعية خارجياً .
2. التحول من نمط "الرأسمالية القومية" إلى نمط "الرأسمالية العابرة للقوميات": والتي ارتبطت بها ظهور مفهوم العولمة من خلال ظاهرة اتساع مجال الإنتاج والتجارة ليشمل السوق العالمية بأجمعها ، فالاقتصاد لم يعد محكوم بمنطق الدولة القومية وحدها ، بل ظهر فاعلون اقتصاديون من نوع جديد كالشركات والمؤسسات المتعددة الجنسيات ، حيث تراجع دور الدولة القومية الرئيسي سابقاً وأصبح للقطاع الخاص الدور الأول في مجال الإنتاج والتسويق والمنافسة العالمية .
3. تهميش دور دول العالم النامي غير القادرة على المنافسة : وذلك في مواجهة الدول الرأسمالية القوية وفقاً للنظرية "الداروينية" وقانون "البقاء للأصلح" ، فقد رأى بعض المفكرين أن القوى الرأسمالية الكبرى قد وجدت هذا المبدأ مبدأ أساسي لإسباغ الشرعية على تجليات العولمة وتداعياتها ، وأن العولمة هي "مابعد الاستعمار" .
4. " كثيراً من الربح ... قليلاً من المأجورين " : حيث يعتبر البعض أن القاعدة الاقتصادية التي تحكم اقتصاد العولمة هي إنتاج أكثر ما يمكن من السلع المصنََعة بأقل ما يمكن من العمل ، وبالتالي تبدو الخصخصة والمبادرة الحرة والمنافسة على حقيقتها كأيديولوجية للإقصاء والتهميش وتسريح العمال وفقاً للمبدأ السابق .
5. العولمة ليست نظاماً اقتصادياً فحسب : وإنما يمتد إلى مجالات الحياة المختلفة سواء في السياسة أو الإعلام أو الثقافة بوجه عام . فالنمو الاقتصادي الرأسمالي كما يستلزم وجود أسواق حرة ، يستلزم أيضاً وجود أنظمة سياسيه وشكلاً معيناً من أشكال الحكم ، فتعدد مراكز القوة الاقتصادية استلزم بدوره تعدداً في مراكز القوة السياسية ، وخلق بدائل وتعددية في القوى على مستوى السلطة ومنع تركيز القوة السياسية ، ومنع تركيز الثورة في يد الدولة ، وتحقيق درجة هامة من اللامركزية . ومن هنا اعتبر البعض أن الديمقراطية الليبرالية وقرينتها الرأسمالية هي نهاية التاريخ الإنساني ، وأن النموذج الأمريكي هو خلاصة وقمة التطور البشري (9).
6. مؤسسات دولية كبرى تقوم بارساء قواعد وبنيات هيكل العولمة : منظمة التجارة العالمية WTO : وهي تقوم بدور رئيسي لتكريس ظاهرة العولمة بتحويل الاقتصاديات المحلية المغلقة على ذاتها إلى اقتصاديات مفتوحة مدمجة فعليا في الاقتصاد العالمي ، عبر آليات ووسائل واتفاقيات تدريجية مع الدول .
· صندوق النقد الدولي IWF : حيث يدعم اتجاهات العولمة من خلال وظائفه الرئيسية المتمثلة في تصحيح الاختلالات في موازين المدفوعات للدول الأعضاء ، والمساهمة في استعادة توازنها ، وتحقيق استقرار سعر الصرف لعملاتها ، وتحرير المدفوعات الجارية ، وإقامة نظام متعدد الأطراف للمدفوعات الدولية .
· البنك الدولي IB : يتألف من ثلاثة مؤسسات رئيسية يطلق عليها "مجموعة البنك" وهم : ( البنك الدولي للإنشاء والتعمير – الرابطة الدولية للتنمية – مؤسسة التمويل الدولية ) وتعمل هذه المؤسسات معاً على تحيق العولمة بإحداث تغييرات أهمها زيادة الاعتماد المتبادل داخلياً وخارجياً ، وزيادة انفتاح المشروعات على الأسواق العالمية ، وزيادة استقطاب المشروعات للرؤى الابتكاريه .
7. بعض العوامل رئيسية ذات القوة التأثيرية الهائلة الداعمة للعولمة ، أهمها :
· شبكة الانترنت Internet: والتي تمارس دورها الرئيسي في توحيد العالم وزيادة ترابطه واتصاله.
· التجارة الالكترونية: حيث استطاعت جذب مئات الملايين إليها ، ووجد كل منهم مآربه وأهدافه ووسيلته للتعايش وإشباع احتياجاته ورغباته .
· المنظمات الجماهيرية غير الحكومية: أصبح لها دور هام في إعادة تشكيل التوجه الاجتماعي العام وخلق رأي عام مستنير تجاه القضايا العالمية.
· التغطية العالمية الكونية : من خلال الشبكات الإعلامية الإخبارية وما تحققه من وظيفة اتصالية ونقل فوري للأخبار لأي مكان في العالم .
· شبكة الاتصالات العالمية: فالتطور المتصاعد لتقنية الاتصالات وتطور أنظمة الشبكات والدوائر الفائقة التقدم ، واستخدام أنظمة الهواتف النقالة والاتصالات الخلوية عبر الأقمار الصناعية مباشرة ، جعل سكان العالم باختلاف أماكنهم مرتبطين يبعضهم ، بما أزال العزلة وفواصل الزمن (10).
* الاتجاهات المختلفة في تفسير ظاهرة العولمة :
ومن ناحية أخرى تجدر الإشارة إلى أن ظاهرة العولمة شأنها شأن أية ظاهرة اجتماعية ، إنما تنطوي على جانب تمثلي ضميري ، ومن ثم فان تناولنا إياها بالتحليل أو بالتفسير ، لامناص من أن ينتهي بنا إلى خطر الانزلاق إلى مجال إصدار الأحكام القيمية ، أو إلى التأثر بوجهات النظر الذاتية للباحث أو الدارس ، ومن هنا كان تباين نظرات المحللين والمعنيين بدراسة هذه الظاهرة – انطلاقاً من اختلاف منطلقاتهم الفكرية أو مقدماتهم العقائدية وانتماءاتهم الأيديولوجية ، فراح بعضهم يقف من هذه الظاهرة موقف المناوئ المتشكك بينما راح فريق آخر يقف منها موقف المرحب أو المروج .
ويمكننا أن نوجز هذه الاختلافات بصدد النظر إلى ظاهرة العولمة في تيارين رئيسيين :
التيار الأول : وهو تيار متفائل يغلب عليه اعتبارات حسن النية – أو هكذا يبدو على الأقل – إذ يرى في العولمة أنها عملية تهدف إلى تحقيق نوع من التفاعل الايجابي ، والتكامل على مستوى الجماعة البشرية ككل ، ومن ثم يبالغ أنصار هذا الرأي في تبيان مزايا وايجابيات العولمة ، والتهوين من مخاطرها وسلبياتها . ويمثل هذا التيار وجهة نظر الدول الغنية أو الدول الأكثر تقدماً ( دول الشمال ) بوجه عام ، وان كان من المتعين - رغم ذلك – الإقرار بأن ثمة تبايناً في وجهات النظر فيما بيم الدول الغنية المتقدمة ذاتها ، تبعاً لتباين درجات استفادة كل منها من العولمة ، وكذلك تبعاً للاختلافات الأيديولوجية الطفيفة فيما بينهما ، أو تبعاً لمدى إدراكها للمخاطر التي تمثلها ظاهرة العولمة بالنسبة لأنماط الحياة أو الأنساق القيمية السائدة فيها ، أو للنظم الاجتماعية المعمول بها في هذه الدول ، وللتدليل على ذلك يكفي أن نشير إلى مدى تخوف الفرنسيين على سبيل المثال من المخاطر الثقافية للعولمة . إذ يرون فيها ترويجاً للثقافة الأمريكية وهو ما يعتبرونه خطراً على الثقافة الفرنسية .
ويمثل أيضاً هذا التيار موقف أنصار "التغريب" و "التحديث" و "التنوير" في دول الجنوب ، وما إلى ذلك من اتجاهات أو تسميات تنحو نحو الاقتداء بالمجتمعات الغربية باعتبارها الأكثر تطوراً ، ومن ثم اعتبارها الجديرة حقاً - من وجهة نظر هؤلاء - بأن تمثل النموذج الذي يتعين الاهتداء به أو السير على منواله ، وبما قد يستتبعه ذلك من ضرورة التخلي عن بعض القيم الموروثة وعن النزعات الأصولية باعتبارها عائقاً أمام ركب التقدم والتطور . وبالتالي القبول بالعولمة بدعوى الانفتاح على العصر وانه لا فائدة في مقاومتها .
التيار الثاني : فهو التيار المتشائم ، وهو يتعامل مع ظاهرة العولمة من خلال منظور نظرية المؤامرة ، فيرى أنها تمثل محاولة من جانب الدول الأكثر تقدماً لفرض هيمنتها سياسياً واقتصادياُ وثقافياً على بقية دول العالم . ويعكس هذا التيار وجهة النظر السائدة في دول الجنوب ( الدول النامية ) تجاه ظاهرة العولمة ، إذ يميلون المنتمون إلى هذه الدول إلى التشكيك في الجوانب الايجابية للعولمة على اعتبار أن هذه الايجابيات أو المكاسب سوف تكون من نصيب الدول المتقدمة وحدها ، في حين لن تجني دول الجنوب الفقير من العولمة إلا التخلف أو التبعية.
ويندرج أيضاً ضمن هذا التيار أولائك الذين يتخذون موقف الرفض المطلق للعولمة ويدعون إلى الانغلاق الكلي بما يستتبعه من ردود فعل سلبية معادية ، وهو ما يؤدي إلى رفض الآخر والانكفاء على الذات ، على اعتبار أن في ذلك تحصينا لهم من الآثار السلبية لهذه الظاهرة (11).
* المنطلقات الأيديولوجية للعولمة :
خلصنا مما سبق إلى أن العولمة تمثل عملية غائية مدارة . ومن ثم فمن المنطقي أن يكون ثمة إطار فلسفي (أو أيديولوجية) تنطلق منها العولمة بحيث تتحدد في ضوئه وعلى مقتضاه طبيعة هذه العملية وغاياتها ، وبحيث يعكس هذا الإطار المنطلقات الباعثة على هذه العملية والأصول الفلسفية الكامنة وراءها .
وانطلاقاً من محاولة السعي إلى التأصيل الفلسفي للعولمة ، يرى كلاً من الدكتور ممدوح منصور والدكتور محمد عماره أن الحضارة الغربية – بدءا من عصور النهضة والتنوير – قد ارتكزت على مجموعة من الأسس الفلسفية الرئيسية والتي أظهرها ما يلي :
1. فلسفة القوة المتحررة من الأخلاق : ممثلة في أفكار مكيافيللي كما صورها في كتابة الأمير . والتي أسفرت عن الفصل بين السياسة من ناحية وبين الدين والأخلاق و القيم بوجه عام من ناحية أخرى وهو ما أدى إلى غلبة مفهوم العلمانية Secularism على السياسة الأوربية والغربية بوجه عام ، وكذلك إلى تحرر السياسات الغربية من أية قيود أخلاقية أو ضوابط قيمية .
2. فلسفة التاريخ عند هيجل : والتي تقوم على أساس فكرة الجدلية ، والتي تنظر إلى العلاقة بين العصور التاريخية المختلفة من منظور الصراع ، وعلى أساس أن الجديد ينسخ القديم .
3. الفلسفة الداروينية : كما صاغها دارون في كتابة "أصل الأنواع" ، والتي تتخذ من فكرة الصراع قانوناً للتطور في عالم الأحياء ، على اعتبار أن البقاء للأصلح أو للأقوى (فكرة الانتخاب الطبيعي) ، ومن ثم فان اندثار الضعفاء يُعد أمراً طبيعياً يتفق مع طبيعة الأشياء أو النواميس الطبيعية ، وقد امتدت هذه الفكرة بعد ذلك إلى مجال العلاقات الاجتماعية على يد هربرت سبنسر فيما عرف بالداروينية الاجتماعية Social Darwinism . ومن هذا المنطلق فقد أصبح مألوفاً في السياسة ( عالم السياسة الوطني – عالم السياسة الدولي ) والاجتماع والاقتصاد أن البقاء للأقوى أو للأكثر كفاءة .
4. المذهب النفعي Utilitarianism : والذي أرسى دعائمه جيمس مل وجون ستيوارت مل ، والذي يجعل الغاية الأسمى التي يعمل الإنسان من أجلها هي تحقيق المنفعة ، وأن السعي إلى تحقيق المصلحة الفردية هو السبيل إلى تحقيق المصلحة العليا للمجتمع ككل (12) .
ويتضح مما سبق أن المرتكزات الفلسفية التي قامت عليها الحضارة الغربية الحديثة تهيئ لغلبة النزعة الفردية Individualism وللأنانية والأثرة والانتهازية ولمنطق القوة على الفكر والسلوك الاجتماعي الغربي باعتبارها قوانين طبيعية لا سبيل إلى التبديل فيها . ومن هذا المنطلق فقد راحت الحضارة الغربية تنظر إلى الحضارات الأخرى من منظور الصراع أو الصدام معها ( فكرة صراع الحضارات التي أشار إليها هانتنجتون مؤخراً على سبيل المثال ) كما عمل الغرب على فرض رؤاه الثقافية والحضارية الخاصة ، ساعياً إلى محو الآخر ، أو استئصاله أو إخضاعه أو محو ذاتيته ، وهو ما بدا على سبيل المثال في مناوأة الغرب ( في عصر الوثنية الرومانية ) للمسيحية في عهودها الأولى – بعد نجاحه في تشتيت اليهود – وكذلك معاداة الغرب ( بعد تحوله إلى المسيحية ) للمذاهب المسيحية الأخرى المخالفة للمذهب الملكاني ، ثم امتد ذلك فيما عرف بالحروب الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت. وقد تواصلت نزعة التمركز حول الذات والتعصب لدى الغرب فتمثلت في صراع الغرب مع الحضارة الإسلامية في مرحلة الحروب الصليبية ، ومع غيرها من الحضارات الأخرى غير الأوربية خلال العهد الاستعماري ، من خلال استنزاف ثروات الأمم غير الأوربية ومحاولة اختراق ثقافاتها ، والقضاء على لغاتها القومية . بل أكثر من ذلك فقد سعى الغرب إلى تقنيع سياساته الاستعمارية الاستعلائية العنصرية بواجهات مثالية ، ومن خلال الإيهام بأن ذلك كله إنما يندرج تحت ما أسماه " عبء الرجل الأبيض White men's burden ، أي مسئوليته عن النهوض بالشعوب المتخلفة ، فراح الغرب يفرض عقائده الدينية – من خلال الحملات التنصيريه – باعتبارها أداة تحقيق الخلاص للشعوب الخاضعة لسيطرته ، كما عمل على محو المورثات الثقافية والحضارية للشعوب غير الأوربية باعتبار أن ذلك يعد تمديناً لهذه الشعوب وتحريراً لها من التخلف والرجعية و البدائية .
وبحلول القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين كان النظام الرأسمالي الغربي قد وصل إلى عنفوانه ، وهو ما انعكس بجلاء في السيطرة الاستعمارية الغربية على معظم أرجاء المعمورة ، غير أن العقود الأولى من القرن العشرين – بما شهدته من انقسام أيديولوجي ومن صراع بين الليبرالية والشيوعية ، وما واكب ذلك من بروز خطر الفاشية والنازية في أوروبا – قد استنفذت جانباً من القدرات الصراعية للغرب ، مما حدا بالغرب إلى إظهار قدر من المرونة والرفق في التعامل مع دول الجنوب سعياً لاستقطابها إلى جانبه في مرحلة الحرب الباردة ، وهو ما تمثل في اتاحه المجال أمام الشعوب المستعمرة للحصول على استقلالها وحقها في تقرير مصائرها ، فضلاً عن استمتاعها بهامش من حرية الحركة والقدرة على المناورة . غير أن انتهاء الحرب الباردة بسقوط القطب السوفيتي ، واضمحلال امبراطوريتة وتفكك دولته ، قد هيأ المجال أمام الغرب لكي يسعى إلى إعادة فرص هيمنته من جديد على بقية الحضارات الأخرى عبر العالم خلال سياسات العولمة , وما عجل هذا المشروع أحداث الحادي عشر من سبتمبر2001م ، باسم الحرب على الإرهاب ( كالعراق وأفغانستان ) والتدخل الإنساني ونشر الديمقراطية وعمليات الإصلاح السياسي في دول العالم النامي على وجه الخصوص .
وهكذا يبدو جلياً كيف أن الغرب يعتنق مفهوم " الواحدية الحضارية " ، إذ يرى أن حضارته هي وحدها الحضارة العالمية أو الإنسانية ، وأنها بمثابة النموذج الأوحد للتحضر والتقدم ، ومن ثم فهي القالب الذي يجب أن يصب فيه الحضارات الأخرى كلها لكي تشكل صورته (13) .

الحواشي :
(9) المرجع السابق .
(10) محمد محمود ربيع و إسماعيل صبري مقلد ، موسوعة العلوم السياسية ، جامعة الكويت ، الكويت 1994 ، ص 367 .
(11) ممدوح محمود منصور ، العولمة : دراسة في المفهوم والظاهرة والأبعاد ، ط2 ، أليكس لتكنولوجيا المعلومات ، الإسكندرية 2004 ، ص 29 .
(12) المرجع السابق ، ص 33 .
(13) الحبيب جناحي ، ( م . س . ذ ) ، ص ص16 .

الخميس، 3 سبتمبر 2009

1-5: العولمة Globalization



تُعد ظاهرة العولمة من أكثر الظواهر إثارة للجدل والنقاش في السنوات الأخيرة ، سواء على مستوى الدوائر العلمية الأكاديمية ، أو على مستوى المحافل السياسية والدبلوماسية و الاقتصادية وغيرها .
لقد برزت العولمة بشكل واضح خلال عقد التسعينات لكنها سرعان ما تحولت إلى قوة من القوى المؤثرة في الحقائق والوقائع الدولية المعاصرة . وهي الآن القوة الرئيسية التي تقود البشرية ككل إلى المستقبل، وتعدها لمعطيات ومتطلبات القرن الحالي . وأصبح من الواضح أن معظم التحولات الاقتصادية والسياسية والعلمية والثقافية المذهلة والمتسارعة التي يشهدها العالم هي : إما سبب من أسباب العولمة، أو أنها مجرد نتيجة من نتائجها الضخمة والعميقة . كل المجتمعات – بما في ذلك أكثرها رغبة في الانعزال – تعيش حالياً وبدرجات متفاوتة عصر العولمة . كما أن كل الدول – بما في ذلك أكثرها ميلاً للتقوقع – معنية اليوم بالعولمة شاءت ذلك أم أبت . لكن في الوقت الذي يتجه فيه الكل نحو العولمة ، فان البعض يبدو مندفعاً نحوها بسرعة فائقة ، ومن دون تردد ، وبحماس ، في حين أن البعض الآخر يبدو وكأنة يحبو نحوها ببطء شديد .
وترتد أهمية ظاهرة العولمة إلى تباين أبعادها وتشعب آثارها ، إذ لم تقتصر انعكاسات هذه الظاهرة على مجرد التأثير على واقع العلاقات السياسية و الاقتصادية الدولية فحسب ، وإنما جاوزت ذلك لتشمل التأثير على الأوضاع الداخلية في معظم دول العالم مخلفة ورائها آثارا ملموسة على مختلف جوانب الحياة الإنسانية . وقد كان من شأن تلك الأهمية البالغة التي اتسمت بها هذه الظاهرة، وذلك الاهتمام الكبير الذي حظيت به ، أن تعددت الدراسات التي عنيت بتحليلها وتبيان آثارها ، كما تباينت الاتجاهات و الآراء والمواقف بصددها ما بين مؤيد ومعارض ، أو بين مرحب ومندد. ولامناص أمامي تجاه هذه الظاهرة الا الكتابة عنها بأكثر من مقال وجزء في هذا الموقع لتبيان أهميتها من جهة، وللالمام بجوانبها من جهة أخرى.
* حول التعريف بمفهوم العولمة Globalization :
العولمة لغوياً : هي تعميم الشئ وتوسيع دائرتة ليشمل العالم كله ، ويُقال عولم الشئ أي جعله عالمياً .
ولقد كان من شأن تزايد الاهتمام بظاهرة العولمة في السنوات الأخيرة ، وذيوع الكتابات المعنية بدراستها ، أن تعددت وتنوعت التعريفات التي قدمت لمفهوم العولمة ، فراح كل باحث يركز على بُعد معين من الأبعاد المختلفة لهذه الظاهرة ، بحسب اهتماماته العلمية أو العملية ، كما راحت هذه التعريفات المتباينة تصطبغ وتتلون على مقتضى التوجهات الفكرية والأيدلوجية لواضعيها ، أو تبعاً للمصالح المادية والمعنوية للدول التي ينتمي إليها واضعوا هذه التعريفات ، ومدى تأثر تلك المصالح بظاهرة العولمة سلباً أو إيجابا(1).
وفيما يلي محاولة لاستعراض الاتجاهات الرئيسية السائدة بصدد تعريف العولمة كمفهوم يشير إلى تلك الظاهرة المستجدة ، وذلك بغية التعرف على هذه الظاهرة ، وكذلك الوقوف إلى المدلول الاصطلاحي لذلك المفهوم .
1. العولمة كتكثيف للتفاعلات الدولية :
يرى فريق من المعنيين بالعولمة أن هذه الظاهرة تشير إلى ازدياد كثافة التفاعلات والعلاقات فيما بين الدول على المستوى العالمي . وفي هذا الإطار يرى كل من Holm & Sorensen أن " العولمة هي تكثيف للعلاقات الاقتصادية ، والسياسية ، والاجتماعية ، والثقافية عبر الحدود " ، أما أنتوني جيدنز Giddens فيرى أن العولمة " هي عملية تكثيف للعلاقات الاجتماعية عبر العالم على نحو يهيئ لترابط التجمعات المحلية المتباعدة ، بحيث تتشكل الأحداث المحلية على مقتضى أحداث تقع على بُعد أميال عديدة والعكس بالعكس ".
ويتضح من تعريف جيدنز أنه يركز على الطابع الجدلي للعولمة ، حيث يشير إلى التأثيرات المتبادلة بين العالمي والمحلي ، فكما أن العولمة تؤثر في الأحداث المحلية ، فان العولمة ذاتها كظاهرة لابد لها – بدورها – أن تنفعل هي الأخرى بهذه الأحداث المحلية .
ويلتقي التعريفان السابقان حول فكرة التدويل Internationalization أي تدويل العلاقات والتفاعلات الاجتماعية حيث لا تعد مقصورة فقط على المستوى المحلي وإنما تنسحب إلى ما وراء الحدود الإقليمية فتصبح تفاعلات دولية ، ومن ثم فالعولمة تشير إلى النمو المتزايد للتفاعلات الدولية وزيادة الاعتماد المتبادل فيما بين الدول .
وانطلاقاً من التصور السابق فقد عرف كل من Thompson & Hirst العولمة على أنها " زيادة في أحجام ومعدلات نمو التدفقات التجارية وتدفقات رؤوس الأموال المستثمرة فيما بين الدول ، كما تتضمن العولمة – وفقاً لهذا التعريف – التحركات المتزايدة للأفراد والرسائل والأفكار فيما بين الدول " .
ويتفق Robert Cox أيضاً مع هذا الرأي حيث يرى أن " العولمة تتسم بمجموعة من الخصائص التي تشتمل على تدويل العملية الإنتاجية ، والتقسيم الدولي للعمل ، وحركات الهجرة البشرية من الجنوب إلى الشمال ، فضلاً عن تهيئة البيئة التنافسية التي تهيئ لذلك كله ، وربما يتطلبه ذلك أيضاً من إضعاف لدور الدولة"(2).
2. العولمة كتراجع لأثر العامل الجغرافي :
يرى M. Waters أن العولمة " هي عملية اجتماعية يتراجع بمقتضاها تأثير العامل الجغرافي على الترتيبات (النظم) الاجتماعية والثقافية ، وما يصاحب ذلك من تزايد وعي الشعوب بهذا التراجع" .
أما Baylis & Smith فيعرفان العولمة على أنها تعني ببساطة " عملية الترابط المتزايد فيما بين المجتمعات بحيث أن الأحداث التي تقع في مكان ما من العالم تكون لها – على نحو متزايد – انعكاسات على شعوب ومجتمعات نائية عنها"(3).
3. العولمة بمعنى اللا - إقليمية :
يرى البعض أن العولمة تعني القضاء على مفهوم الإقليمية Deterritorialization ، أو بعبارة أخرى فان العولمة تستهدف التمكين لما يسمى ما فوق الإقليمية Supraterritoriality. ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى العولمة باعتبارها تمثل عملية إعادة تصوير لخريطة العالم بحيث لايبدو العالم مقسماً إلى أقاليم متميزة تفصل بينها حدود إقليمية .
ويندرج تحت هذا الاتجاه أيضاً تعريف كل من T. Mcgrew & D. Held حيث يعرفان العولمة على أنها " عملية ( أو مجموعة من العمليات ) التي تنطوي على تحولات عميقة بصدد التنظيم المكاني للعلاقات والمعاملات الاجتماعية عبر العالم " .
4. العولمة بمعنى انضغاط الزمان و المكان :
يرى Robertson أن العولمة " هي انضغاط الزمان والمكان على مستوى العالم وتكثيف الوعي بالعالم ككل مترابط " بمعنى تراجع أثر الفواصل المكانية (المسافات) أو الزمنية (فروق التوقيت) على التعامل الدولي . ويؤيد Giddens هذا التصور حيث يرى أنه لايتعين النظر إلى العولمة باعتبارها ظاهرة اقتصادية بالدرجة الأولى ، تقوم على تزايد درجة الاعتماد المتبادل فيما بين الدول ، وإنما هي تتمثل – في المقام الأول – في ذلك التحول الهائل الذي طرأ على مفهومي الزمان والمكان في عالمنا المعاصر(4).
5. العولمة بمعنى عملية التوحيد الكوني :
يلتقي أنصار هذا الاتجاه حول النظر إلى العالم (الكرة الأرضية أو كوكب الأرض) Globe ، أو الكون Universe كوحدة واحدة ، ومن ثم فالعولمة من وجهة نظر هؤلاء هي محاولة لتحقيق ما يشبه الوحدة الكونية Universalization .
وعلى الرغم من ذلك فهم يختلفون فيما بينهم حول تصوراتهم بشأن فكرة التوحيد Unification ذاتها ، إذ يذهب بعض المغالين إلى تبني التصور القائل بأن العولمة هي " مجموعة العمليات التي يتم خلالها تجميع شعوب العالم المختلفة في مجتمع كوني عالمي " ، أي أنها العملية التي تستهدف خلق هيراركية عالمية أو كونية سياسياً واقتصادياً وثقافياً ، ذلك بينما يقف فريق آخر عند حد القول بأن المقصود بالتوحيد هو الاتساق Uniformalization ، أي توحيد المعايير أو القيم على المستوى العالمي ، ولعل ذلك التصور الأخير هو الأقرب إلى الواقع ، ومن ثم فان العولمة – تبعاً لذلك – تشير إلى عملية توحيد القيم والمعايير والنظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية على المستوى العالمي .
ويعد كل من Olivier Reiser و B. Davies أول من نحت فعل يعولم to Globalize ، وذلك في أربعينيات القرن الماضي ، بمعنى النظر إلى الكون كله كوحدة واحدة أو ككل مترابط ، حيث تنبأ بحدوث تآلف Synthesis بين الثقافات وصولاً إلى ما أسمياه بالنزعة الإنسانية العالمية Global Humanism . وفي هذا الإطار فان كلمة Global تشير إلى ماهو عالمي أو كوني ، أو إلى كل ما يمتد عبر العالم World Wide ، وكذلك فان لفظة العولمة تشير إلى عملية بث أو نشر الأشياء أو الخبرات عبر الشعوب ، على امتداد كافة أرجاء المعمورة(5).
6. العولمة بمعنى التحرر من القيود:
يرى أنصار هذا الاتجاه أن العولمة تتمثل في الاتجاه أو النزوع نحو الليبرالية Liberalization ، بمعنى التحرير و إزالة القيود والمعوقات التي تفرضها الحكومات على كافة الأنشطة والتحركات السياسية و الاقتصادية ، ويمكننا أن نتمثل مظاهر العولمة – وفقاً لهذا الاتجاه – في الانتشار السريع لعمليات التحول الديمقراطي سياسياً ، وعمليات التحول إلى آليات السوق وتحرير التجارة وإزالة العوائق على المبادلات التجارية وعلى تحركات الأفراد ورؤوس الأموال .
7. العولمة بمعنى الاستعمار والهيمنة :
ويمثل هذا الاتجاه وجهة النظر السائدة في دول الجنوب تجاه ظاهرة العولمة . ويرى Martin khor " أن العولمة تمثل ما اصطلحنا على تسميته في العالم الثالث لعدة قرون بالاستعمار"، ووفقاً لهذا التعريف تُعد العولمة صورة من صور الامبريالية الحديثة(6).
8. العولمة بمعنى التغريب والأمركة :
تذهب بعض التعريفات التي قدمت لمفهوم العولمة إلى اعتبارها محاولة للتغريب أو للأمركة Americanization إذ يرى كل من Spybey و Taylor أن العولمة " هي عملية حركية يتم بواسطتها فرض الهياكل الاجتماعية للحداثة من المنظور الغربي عبر العالم ، بما يتضمنه ذلك من مخاطر القضاء على الثقافات الأخرى وعلى حق الشعوب في تقرير مصائرها ، وحقها في المشاركة في هذه العملية " . وقد ارتبطت العولمة بالمشروع السياسي الأمريكي في مرحلة مابعد نهاية الحرب الباردة ، وقد عبر R. Keohane عن ذلك بقوله : " إن الهيمنة ( يقصد الهيمنة الأمريكية ) تخلق الاستقرار بواسطة احترام مجموعة من قواعد اللعب " .
ولعل مما يدعم هذا التصور ما أعلنه الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش (الأب)- أثناء انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة في البرازيل عام 1992م – حين قال " إن نمط حياتنا غير قابل للتفاوض " ، مما يوحي بأن القيم الليبرالية الغربية ، وكذلك نمط الحياة الأمريكية على وجه التحديد يتعين أن يكونا المعيار الحاكم في أي نظام دولي أو اتفاقية دولية – ولعل ذلك ما حدا بجاك لانج – وزير الثقافة الفرنسي السابق – إلى أن يرفع شعار : " يا ثقافات العالم اتحدي ضد الغزو الثقافي الأمريكي " ، وذلك خلال مؤتمر اليونسكو الذي عقد بالمكسيك(7).
وانطلاقاً من التعريفات السابقة التي عرضناها ، يمكننا الوصول إلى تعريف شامل بعض الشئ ، وهو :
" العولمة هي عملية مدارة إرادية وغائية تستهدف من خلالها القوى المهيمنة على النسق العالمي ، الإفادة من الأوضاع الدولية التي ترتبت على التطور الهائل في تكنولوجيا الاتصال والمواصلات ، وزيادة كثافة التفاعلات الدولية ودرجة الاعتماد الدولي المتبادل ، وصورة التوزيع العالمي الراهن للقوة ، و ما نتج عن ذلك كله من الشعور بانضغاط الزمان والمكان ، وتهاوي الفواصل الإقليمية ، وتزايد الوعي بالعالم ككل متكامل – في تحقيق الهيمنة العالمية ، وذلك من خلال العمل على فرض أنماطها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمعيشية على بقية مناطق العالم ، تحقيقاً لمصالح تلك القوى المسيطرة ، من خلال منظومة متكاملة من الأساليب والأدوات أو الوسائل المتنوعة والمتساندة والمهيئة لتحقيق تلك الهيمنة " .
وبذلك نتوصل إلى أن العولمة Globalization تختلف عن العالمية Globalism ، فالعالمية تشير إلى الطموح إلى الارتقاء بالخصوصية إلى المستوى العالمي ، أو بعبارة أخرى هي انفتاح محلي على ما هو عالمي أو كوني ، وبالتالي فان نشدان العالمية هو طموح مشروع يعكس الرغبة في الانفتاح على الآخر بهدف تبادل الأخذ والعطاء ، وبهدف الحوار والتعارف والتلاقح بين الحضارات والثقافات ، وهكذا يمكن النظر إلى العالمية باعتبارها إثراء للهوية الذاتية ، أما " العولمة " فهي إرادة للهيمنة ، وبالتالي فهي محاولة لقمع الخصوصيات القومية ، انها محاولة لاختراق الآخر وسلبه خصوصيته"(8).
الحواشي :
(1) مجمع اللغة العربية ، المعجم الوجيز ، وزارة التربية والتعليم العالي ، مصر 1994م ، ص457 .
(2) ورد في :
Baylis & Smith : The Globalization of World Politics (Oxford University Press , London,1997), p.15.
(3) Ibid
(4) ورد في :
Giddens, A ; The Consequences of Modernity ( Polity, Cambridg , 1990) , p .64 .
(5) Ibid
(6) الحبيب جناحي ، العولمة : الواقع والآفاق ، مجلة عالم الفكر ، الكويت ، عدد ديسمبر1999م ، ص9 .
(7) المرجع السابق .
(8) محمد طه بدوي و آخرون ، مقدمة إلى العلاقات السياسية الدولية ، ط2 ، أليكس لتكنولوجيا المعلومات ، الإسكندرية 2004 ، ص230 .

الاثنين، 31 أغسطس 2009

المجتمع الدولي International Community :

حول مفهوم المجتمع الدولي :
يمكن القول بأن " المجتمع دولي " هو: مجموع تلك المجتمعات السياسية الفردية التي تشكل في النهاية ما يمكن أن نطلق علية مجتمع الدول أو الأمم Society of Nations . وتتكون كل واحدة من تلك المجتمعات السياسية التي تُسمى بالدولة القومية Nation State من شعب وإقليم وحكومة واقتصاد ، هذا في إطار شخصية لها ذاتيتها القومية المميزة أو ما يحلو للبعض أن يسميه بالثقافة القومية التي تساعد على توحيد هذا المجتمع في مواجهة غيرة من المجتمعات القومية المنافسة (1). وهم يعنون بهذه الثقافة الموحدة Unifying Culture منظومة القيم والتقاليد والأعراف والعادات التي تشارك فيها أفراد هذا المجتمع وتغذي فيهم الشعور بالانتماء إلى مجتمعهم في ظل إحساس عام مشترك بوحدة الهدف و المصير. وقد أطلق أساتذة العلوم السياسية والعلاقات الدولية على هذه الثقافة الموحدة مصطلح الشخصية القومية National Character التي ينسبون إليها العديد من التأثيرات الهامة خاصة عندما يتعلق الأمر بالاستجابات السلوكية لهذه المجتمعات السياسية في محيطها الدولي الاجتماعي الأوسع .
من هنا يمكن القول بأن هذه العناصر الأساسية الأنفة الذكر تشكل في مجموعها مقومات وجود الدولة ، وبدون توافرها بصورتها الكاملة ينتفي شرط قيامها كوحدة مستقلة وفاعلة بالمجتمع الدولي الذي يجمعها بغيرها من الدول (2).
وعلى الجانب الآخر ، فانه يمكن الزعم بوجود مجتمع دولي حقيقي عندما يتاح له أن يضم في عضويته هذه الدول القومية ، وضمن هذه العضوية تحظى بعض الدول دون غيرها باعتراف دولي واسع بأنها دول كبرى ذات قوة ونفوذ مكانة و تأثير . ويتحقق انضمام أي دولة إلى المجتمع الدولي بالمعنى الذي أشرنا إليه بعدة طرق ووسائل منها :
1. أن تصدر الدولة تصريحاً سياسيا تعبر فيه عن رغبتها في الدخول إلى عضوية المجتمع الدولي كما تتعهد باحترام ما يفرضه عليها هذا الانضمام من التزامات ومسئوليات دولية . ويطلق على هذا التصريح عادةً Policy Declaration .
2. أن تقدم الدول الأخرى اعترافها الدبلوماسي بهذه الدولة الجديدة مما يعني الإيذان لها بالدخول في عضوية المجتمع الدولي بكل ما يترتب على هذه العضوية من نتائج وآثار دولية سواء بالنسبة إليها أو بالنسبة لغيرها من الدول .
3. دخول دولة إلى المجتمع الدولي كوريث لدولة أخرى سابقة عليها اضمحل كيانها السياسي وتجزأ لسبب أو آخر ، واعتراف الدول الأخرى بها كوريث لها ، إما اعترافاً شرعياً قانونياً أو اعترافاً واقعياً بصرف النظر عن شرعيته القانونية (3).
وأيا ما كان الأمر فان القانون الدولي بما يتضمنه من قواعد ومعايير وأحكام قد أرسى الأسس التي يستند إليها الاعتراف بالدولة ككيان مستقل ذات سيادة وطنية كاملة وغير مشروطة ، فهو يحدد شروط هذا الاعتراف الدبلوماسي والصور التي يمكن أن يتم بها أو يتمثل عليها والتي بها تتحقق الشرعية الدولية لتلك الكيانات السياسية المستقلة .
وعلى الرغم من أهمية الاعتراف الدبلوماسي بالدولة من قبل غيرها من الدول الكائنة في المجتمع الدولي ، إلا أن هذا الموضوع بالذات كثيراً ما يشوبه نوع من سوء الفهم مما يثير الكثير من الجدل الدولي حوله ، ومن ذلك على سبيل المثال : هل يعني سحب الاعتراف بالدولة من قبل غيرها من الدول أن هذه الدولة لم تعد قائمة أو أنها فقدت مبرر وجودها في هذا المجتمع الدولي ، حتى وان كان الهدف من سحب الاعتراف هو إظهار تلك الدولة بمظهر الخارجة على القانون (Outlaw) وأنها لم تعد تبعاً لذلك مؤهله للتحدث باسم شعبها مع الدول الأخرى الأعضاء في المجتمع الدولي ؟ ومن الأمثلة التاريخية البارزة لذلك ، رفض الدول الأوربية الملكية الاعتراف بشرعية النظام الثوري الذي قام في فرنسا في أعقاب ثورتها الكبرى عام 1789م (4). إن على الإجابة على التساؤل السابق تكمن في أن هذا الإجراء بسحب الاعتراف كثيراً ما أسئ استخدامه لأغراض سياسية ، وان كان لا يرقى من الناحية القانونية إلى مستوى إنكار وجود الدولة ككيان فعلي وقائم وله حضوره في الحياة السياسية الدولية .
وإذا تركنا الجانب المتعلق بالاعتراف الدبلوماسي إلى الجانب المتعلق بطبيعة الوضع القانوني (Legal Status) الذي يتقرر للدولة من جراء عضويتها في مجتمع الدول ، فسوف نجد أن القاعدة المستقرة التي يأخذ بها القانون الدولي هنا ، هي أن كل الدول تتمتع بنفس القدر من السيادة و المساواة حتى وان تباينت تلك الدول عن بعضها في أحجامها وتعداد شعوبها ورقعتها الجغرافية ونوع حكوماتها ومستويات نموها الاقتصادي ... الخ ، فالدولة متى حصلت على هذا الاعتراف القانوني بها أصبح من حقها أن تمارس اختصاصها بموجب صلاحيات السيادة المقررة لها والمعترف دولياً بها ، على كل ما يجري داخل إقليمها دون أن يكون لقوة أخرى خارجية أي سلطان عليه (5).
وبعيداً عن هذه المساواة القانونية التامة التي يكفلها القانون الدولي لكافة الدول في كل ما يتعلق بأمور السيادة والصلاحيات المترتبة عليها ، فان الدول من الناحية العملية الواقعية تتفاوت كثيراً فيما بينها من حيث مستويات القوة والتأثير والنفوذ الذي تمارسه في مواجهة بعضها البعض ، وهي ظاهرة يطلق عليها Gradations of Power and Influence أي " تدريجات القوة والتأثير "، وتلك بديهية مستقرة و لا خلاف عليها في قاموس السياسة الدولية . وربما لهذا السبب تسمى الدول أحياناً بالقوى (Power) ، فيقال القوى الكبرى ، والقوى المتوسطة ، والقوى الصغرى ، .. الخ ، وقد كان التعبير المستخدم في السياسة الدولية حتى نشوب الحرب العالمية الأولى هو تعبير القوة العالمية World Power كمرادف لبريطانيا التي كانت توصف بأنها الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس . أما بعد الحرب العالمية الثانية فقد توارى هذا التعبير ليحل مكانة تعبير القوة العملاقة أو العظمى Super Power للدلالة على دولتين اثنتين بالذات هما الولايات المتحدة و الاتحاد السوفيتي . وكان استخدام هذا التعبير الجديد يعكس الاعتراف العالمي الواسع بأن القدرات الجبارة و المتناهية الضخامة التي تمتلكها هاتان القوتان العملاقتان تجعلهما قادرتين على التأثير في مجريات الأحداث والوقائع الدولية على اتساع العالم بأكمله ، وبصورة تخرج تماماً عن نطاق القدرة المتاحة لأي دولة أخرى(6) .
وبالتالي فان مفهوم المجتمع الدولي وفق ما جاء في تعريفنا السابق له هو : المجتمع الذي ينتظم كافة الدول في عضويته ، وهو الذي يمنحها الاعتراف ، كما أنه يتعامل معها جميعاً على قدم المساواة دون تفرقة أو تمييز ، وهو الذي يقر لها بصلاحيات السيادة الوطنية الكاملة وغير المشروطة على أراضيها . هذا على المستوى المثالي أما الواقعي فانه يختلف لاشك .
* أسباب ظهور مصطلح " المجتمع الدولي ":
من خلال متابعة التطور في حقائق وموضوعات العلاقات الدولية والتطور في طرق إدراكها وأساليب البحث والتحليل حولها ، توصلنا إلى أن المنظومة المفاهيميه السائدة في كل مرحلة يكون انعكاساً لطبيعة وحقائق وسمات هذه المرحلة ، حيث تعاقبت الاتجاهات في فهم وتفسير العلاقات الدولية بدءاً من مرحلة الواقعية الكلاسيكية وحتى منتصف الخمسينات ، ثم مرحلة السلوكية طوال فترة الستينات حتى بداية السبعينات مع بداية هذا المنظور الذي نحن بصددة والذي ارتبط بمرحلة ما بعد السلوكية (7).

منذ بداية السبعينات بدا واضحاً أن العديد من دارسي العلاقات الدولية يعبرون في تحليلاتهم عن حدوث تغيرات هيكلية في السياسات الدولية يترتب عليها عدم صحة التركيز فقط على صراع الدول حول الأمن العسكري والذي كان محور اهتمام المدرسة الواقعية ، ومن ثم بدأت تتعرض الواقعية (Rialism) لتساؤلات هامة تبرز عدم تلاؤم افتراضاتها مع النظام الدولي المتطور نظراً لبروز دور فاعلين جدد من غير الدول ، والدولة لا تعد هي الفاعل الوحيد ، من ناحية أخرى فان المتغيرات الاقتصادية بدأت تركز على فكرة الأدوار في العلاقات الدولية ومن ثم فقد طرح التساؤل بأن بعض الشركات والمؤسسات المتعددة الجنسيات ( يطلق عليها مجتمع الأعمال ) تلعب دوراً في الحياة السياسية يفوق كثيراً الدور الذي تلعبة دولة مثل المالديف مثلاً ، فكيف يمكن اعتبارها وحدة دولية وعدم اعتبار هذه المؤسسات برغم من قوتها ودورها من ضمن الوحدات الدولية ، حيث يعتبر بعض أساتذة العلاقات الدولية النسق الدولي الحالي هو خليط بين النسق الأحادي القوة القطبية والبولياركي ، التي تتعاظم فيه دور المنظمات الدولية والاقليمية والاقتصادية إلى جانب الشركات المتعددة الجنسيات والعابرة للقوميات في العلاقات الدولية بشكل يفوق بعض الدول أحياناً (8).
وهناك مجموعة من المتغيرات التي أدت إلى ظهور مفهوم " المجتمع الدولي " :
1. تطور الظروف والمتغيرات الدولية : خاصة السياسية والاقتصادية والعسكرية التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية والتي أبرزت وحتى نهاية الستينات أولوية وتفوق الاهتمامات العسكرية ، والتي أدت إلى تدعيم الانفصال بين السياسات الدولية والاقتصادية ، فخلال وبعد الحرب العالمية الثانية تمكنت الحكومات الغربية من الاتفاق على تدعيم مجموعة من القواعد و الإجراءات و المؤسسات لإدارة العلاقات الاقتصادية الدولية واستمر هذا لنظام المعروف بنظام (بروتون وودز) ولمدة عقدين متتاليين يعمل بفاعلية في السيطرة على الصراع في هذا المجال ، وقد اجتمعت في هذه الفترة ثلاثة ظروف سياسية شكلت الأسس الفعالة للاقتصاد العالمي وبالتالي ظهور مفهوم المجتمع الدولي :
أ‌- تركز القوة في يد عدد قليل من الدول الغربية : حيث مكنتها من السيطرة على هذا النظام في وقت كانت فيه الدول الاشتراكية وعلى رأسها الاتحاد السوفيتي تتفاعل في إطار نظام اقتصادي منفصل ومن ثم لم تكن تفرض تحدياً على الدول الغربية في انفرادها بإدارة النظام الاقتصادي الرأسمالي الذي اندمجت فيه بقوة في هذه المرحلة مجموعة من الدول المتخلفة .
ب‌- وجود مصالح مشتركة بين الدول الغربية : محورها الاعتقاد في حيوية إرساء أُسس التجارة الدولية الحرة من ناحية ، وفي حيوية مبدأ التعاون الاقتصادي من ناحية أخرى .
ت‌- وجود قوة سائدة : وقادرة وراغبة في القيام بدور قيادي في العالم وهي الولايات المتحدة الأمريكية (9).
2- بروز مشكلات عالمية أخذت مركز الصدارة في العلاقات الدولية : ويعاني منها اغلب دول العالم والتي كانت موضع اهتمام هامشي مثل مشكلة " الاحتباس الحراري – الموارد الطبيعية – ندرة الغذاء – الطاقة – الانفجار السكاني – ندرة المياه ... الخ " ، مع تزايد رغبات الشعوب على متطلبات النمو والرخاء أو متطلبات التنمية .
3- بروز أهمية الموضوعات الاقتصادية في العلاقات الدولية : سواء على صعيد العلاقات بين الكتلتين الشرقية والغربية إبان النسق الثنائي القوى القطبية ، أو على صعيد العلاقات بين الدول الغربية ، أو على صعيد العلاقات بين الشمال والجنوب .
4- التطور التكنولوجي والثورة المعلوماتية : خاصة في وسائل الاتصال ومجال نقل وتبادل المعلومات والتي غيرت من مضمون الفكر التقليدي في العلاقات الدولية ، وجعل الإطار العام لها هو التعاون وليس الصراع حسب رأي بعض أساتذة العلاقات الدولية.

إن الاستجابة لهذه الحقائق الدولية المنظورة تقتضي النظر العام باعتباره نظاماً من التفاعلات التي يلعب فيها فاعلون جدد من غير الدول دوراً هاماً حول موضوعات سياسية واقتصادية جديدة تخلق عمليات جديدة في النظام ، تتجه به إلى نوع من التعاون أو التكيف وليس العنف و الصراع دائماً مما أضحى مجتمعاً دولياً أو عالمياً . حيث أن المفاهيم النابعة من المنظور الواقعي التقليدي مثل ميزان القوة ، والردع والتحالفات لم يعد لها مغزى أمام اتساع محتوى السياسات العالمية الذي أضحى اهتمامها بقضايا عالمية كالموارد والبيئة والتجارة الدولية والنقد الدولي والسكان وغيرها ، وكل هذا يتطلب إدارتها درجة من التعاون الدولي ولذلك فقد تطورت الأساليب لفهم الواقع الدولي المعاصر (10).

إن منظروا هذا المنظور ( المجتمع الدولي ) يبدءون من الحالة الطبيعية الأولى كحالة فلسفية عند جون لوك ويعلنون أن العلاقات الدولية هي علاقات تعاون ( تعاون الكل مع الكل ) وليس صراع ( صراع الكل ضد الكل ) و أن هناك مصالح أساسية تدفع الدول إلى التعاون .
* البيئة الدولية و مفهوم المجتمع الدولي :
انطلاقاً مما سبق يرى هيجل أنه مادامت السيادة Sovereignty تُشكل منطلقاً لعلاقات مابين الدول ، فيمكننا القول بان بيئة العلاقات الدولية هي أشبة ما تكون بحالة الطبيعة . وكذلك يصف هوبز البيئة الدولية بأنها تشبه حالة الطبيعة حيث حرب الكل ضد الكل War of every one against every one .
واستناداً إلى هذه الطبيعة الفوضوية للبيئة الدولية ، يرفض البعض إطلاق عبارة "المجتمع الدولي" على جماعة الدول – وهي نظرة المدرسة الواقعية ، حيث يرى جورج بوردو " أنه ليس ثمة مجتمع إلا حيث توجد فكرة الحق والقانون ، وأنه نظراً لغيبة السلطة عن عالم العلاقات الدولية فلا يتصور إلا أن تكون الفوضى هي السمة الغالبة على هذه العلاقات " . أما ريموند آرون فيذهب هو الآخر إلى القول بخطأ التسمية الشائعة للجماعة الدولية بأنها "مجتمع دولي" ، ويرى أنه إذا كان لامناص من وصف هذه الجماعة بأنها "مجتمع"- رغم كون هذا خطأ في القياس – فيجب اعتبارها في هذه الحالة " مجتمعاً لا اجتماعي (11) .
و هنا تجدر الإشارة إلى مابين البيئة الوطنية ( داخل المجتمع الواحد ) وبين البيئة الدولية ( فيما بين المجتمعات السياسية ) من اختلاف في الطبيعة. فبينما تقوم العلاقات السياسية داخل المجتمع الواحد ، على أساس الأمر والطاعة ، حيث يكون للحاكمين سلطة الأمر ، ويتعين على المحكومين الالتزام بواجب الطاعة ، نجد أن العلاقات السياسية الدولية هي علاقات بين وحدات سياسية متميزة ومتساوية – قانوناً – من حيث السيادة ، ومن ثم فلا تملك أي منها سلطة الأمر ، كما لا يتوجب على بعضها طاعة البعض الآخر . وانطلاقاً مما سبق يمكننا أن نقابل بين ما بين ما تتسم به البيئة السياسية داخل المجتمعات الوطنية من مركزية وهيراركية Hierarchy وضبط سياسي Political Order ، وبين ما تتسم به البيئة السياسية الدولية من لامركزية وفوضى Anarchy ، فبينما تمارس النشاطات السياسية الداخلية في ظل "السلطة السياسية" ، تجري العلاقات فيما بين الدول في ظل غيبة السلطة Absence of Power ، ويتضح مما سبق أن البيئة الدولية بصورتها الراهنة تفتقر الى عنصر النظام أو القابلية للتنظيم .
وهكذا يمكن القول – بعبارة أخرى – أنه في حين تعتبر البيئة الوطنية بيئة "مستأنسة" بعامل الاحتكار الشرعي للقوه ، بما يتضمنه من تجريد أعضاء المجتمع من أدوات العنف ، تعد البيئة الدولية بيئة غيبة السلطة نظراً لقيامها على جمع من وحدات سياسية ذات سيادة تمثل كل واحدة منها مركزاً متميزاً لاتخاذ القرارات ، ومن ثم يمكن القول بأن البيئة الدولية تقوم على العديد من القوى المتميزة قد تتعاون فيما بينها ولكنها لا تتكامل تبعاً لتعدد السلطات فيها (12).
وفي هذا الصدد يميز ريموند آرون بين هدف كل من السياسة الداخلية والسياسة الخارجية ، على اعتبار أن الأولى تستهدف إخضاع المحكومين لحكم القانون بمقتضى الاحتكار الشرعي لأدوات الإكراه في أيدي القائمين على ممارسة مظاهر السلطة السياسية ، بينما يكون الهدف الرئيسي للسياسة الخارجية – في ظل ما تتسم به البيئة الدولية من تعدد مراكز القوة المسلحة ، هو ضمان بقاء الدولة في وجه التهديدات التي يمثلها مجرد وجود الدول الأخرى .
وفي ظل بيئة دولية هذا شأنها ، ليس من المتصور لعلاقات الدول إلا أن تكون علاقات "عداء" ، وفي هذا المعنى يقول هوبز في كتابه Leviathan : إن العداء في البيئة الدولية إنما يرتد إلى تعارض مصالح دولة أخرى ، ومن هنا تسعى الدول – مستنده إلى قواها الذاتية – إلى تبادل فرض إراداتها تحقيقاً لمصالحها الوطنية .
وهكذا فانه في ظل حالة العداء ، وفي ظل غيبة السلطة العليا عن عالم السياسة الدولي ، يكون من المنطقي أن تسعى كل دولة إلى حماية أمنها ومصالحها اعتماداً على قوتها الذاتية ، بما في ذلك امكانية لجوئها إلى العنف تحقيقاً لمصالحها القومية . ويرى آرون أن السمة المميزة للعلاقات الدولية هي شرعية ومشروعية اللجوء إلى القوة المسلحة من جانب الدول (13).
وتبعاً لغيبة السلطة العليا عن البيئة الدولية ، وفي ظل قيامها على دول متعددة ذات سيادة تعمل كل منها على حماية مصالحها القومية ، لا يتصور وجود ما يمكن أن نسميه "بالخير العام" أو "المصلحة العليا" على المستوى العالمي ، فما تراه دولة ما في صالحها يُعد – من وجهة نظرها – الخير العام الذي تسعى إلى تحقيقه باعتباره أمراً تستدعيه مصلحتها العليا . ومن ثم يكون لكل دولة أن تقرر - على حده – مدى خيرية ما تقوم به من تصرفات في ضوء مصالحها القومية . وهكذا يمكننا القول بأن عالم السياسة الدولي تحكمه " نسبية القيم الأخلاقية " Moral Relativity – ويترتب على ذلك أنه ليس ثمة "حق" مطلق أو "عدالة" مطلقة في علاقات مابين الدول . فحقوق الدول مرهونة بما يتوافر لها من عوامل القوة القادرة على صيانة تلك الحقوق وحمايتها ، فلا حق في عالم السياسة الدولي إن لم تدعمه القوة ، ومن ثم فليس للدول أن تدعي لنفسها من حقوق إلا بقدر أهليتها للدفاع عن تلك الحقوق في مواجهة تطلعات الطامعين .

وهكذا – وفي ظل بيئة هذا شأنها – لا يتصور إخضاع علاقات مابين الدول لمبادئ قيمية أو لأنماط مثالية ، كما لا يتصور أن تقيد إرادات الدول بأية قيود أو قواعد ، اللهم إلا ما تقبله أو ترتضيه الدول ذاتها ، عملاً بفكرة التقييد الذاتي للإرادة Auto Limitation . كذلك لا مناص من أن يكون الاعتماد على الذات هو القاعدة الأساسية في التعامل الدولي ، ففي ظل غيبة السلطة ، ليس ثمة ما يكفل للدول حماية مصالحها والدفاع عن حقوقها إلا باعتمادها على قوتها الذاتية ، وبالتالي ينتفي وجود "مجتمع دولي" وفقاً للشروط والأحكام التي تقضي قيام هذا المجتمع وفقاً لما سلف . وان الدعوى بوجود هذا المجتمع يمثل دعوى مثالية أكثر من كونها واقعية ، وقد يكون ذلك غطاء لأفعال غير مشروعة تنتهجها بعض الدول تحت اسم " إرادة المجتمع الدولي " كالولايات المتحدة الأمريكية في حربها على الإرهاب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر2001 ، أو في مواجهتها لإيران لمنعها من تطوير قدراتها النووية (14) .

تــعقـيـب :

أن المفهوم المثالي للمجتمع الدولي والقائم على شمولية القواسم الإنسانية المشتركة سواء الثقافية، أو الاقتصادية، بدأ ينحرف عن هذا التصور حتى لو كان الأمر يتعلق ببضع دول تشكل المنظومة الدولية والمجتمع الدولي. فنحن نرى بوضوح أن دول العالم لا تقتسم كلها نفس المصالح ، ولا نفس الأفكار والتصورات التي قد تشكل أرضية صلبة لمجتمع دولي حقيقي . فهل يمكن مثلاً الحديث عن منظومة تجمع بين الولايات المتحدة وإيران في مجتمع دولي واحد خاصة في ظل الخلافات الأخيرة بين الطرفين حول الملف النووي الإيراني ؟ أو بين بورما وسويسرا؟ وماذا عن باقي الفاعلين الدوليين على الساحة العالمية مثل الشركات متعددة الجنسيات والمنظمات غير الحكومية والحركات الإرهابية وغيرها من الأطراف التي أصبحت تحركاتها تؤثر بشكل واضح على العلاقات الدولية، لكن من دون اعتبارها جزءاً من المجتمع الدولي كما هو معروف لدى الباحثين؟ ورغم أن العالم اليوم لم يعد ثنائي القطبية وبالتالي انتفت، ولو نظرياً على الأقل، أسباب التنافس الدولي التي كانت سائدة خلال الحرب الباردة، إلا أنه مع ذلك لم يتم الاتفاق على الرهانات والمصالح العالمية المشتركة بين مختلف دول العالم. ويرجع ذلك ربما إلى غياب حكومة عالمية تلعب دور الحكَم ، أو الوسيط النزيه في حل الأزمات الطارئة والبحث عن القواسم المشتركة بين الدول لتفادي نشوب النزاعات بينها. ففي المحصلة النهائية يتوزع العالم على مجموعة من المصالح المتباينة والتطلعات الدولية المتناقضة مع الاهتمام أحياناً بالمصالح الضيقة والقصيرة المدى على تلك التي تغلب المصلحة العامة والتي هي أساس قيام "المجتمع الدولي" . لا يمكن لمجتمع دولي حقيقي أن يتبلور ويضطلع بدوره من دون وجود علاقات دولية قائمة على التعددية ، واحترام آراء الدول الأخرى باعتبارها رُؤى مشروعة. ومع ذلك يمكن الإشارة إلى نماذج متفرقة لعمل المجتمع الدولي على الساحة العالمية، لاسيما فيما يتصل بالكوارث الطبيعية، والتغيرات المناخية، أو الانتشار النووي وتفشي الأوبئة والأمراض الخطيرة التي تستوجب عملاً دولياً مشتركاً وتكاتفاً للجهود العالمية. والمشكلة أن الحدود بين الدول ، وإن كانت لا تستطيع درء الأخطار، أو منع انتقال الكوارث الطبيعية والأمراض، إلا أنها تبقى حائلاً دون صدور قرارات مشتركة تعكس وجوداً حقيقياً للمجتمع الدولي . وبرغم وسائل الاتصال المتطورة التي وفرتها التكنولوجيا الحديثة، فضلاً عن وفرة المعلومات عن المناطق البعيدة لا تزال الدول تجهل بعضها بعضاً، ولا يزال سوء الفهم متفشياً على نطاق واسع بين شعوب العالم . وبالعكس من ذلك تماماً يبدو أن الفرص الجديدة التي أتاحتها حركة العولمة وتسهيل التبادل وانتقال الخدمات ورؤوس الأموال، ساهمت في تعميق الهوة بين أعضاء المجتمع الدولي وزرعت الفرقة بينهم بسبب التفاوت الرهيب في اقتناص الفرص والإفادة منها. فمازالت فئات واسعة من شعوب العالم تعيش ظروفاً صعبة ولم تنتفع من ثمار العولمة كما كان مؤملاً. و الأكثر من ذلك أن مفهوم المجتمع الدولي لدى الرأي العام العالمي مرتبط بالسلبية وغياب التحرك الفعال. وإذا ما تواجد فعلاً كيان جدير باسم المجتمع الدولي فهو يبقى، رمزاً للعجز وعدم الفعالية بالنظر إلى الأزمات المتعددة التي فشل في حلها، أو معالجتها مثل تلك التي تعصف بالشرق الأوسط ( كالغزو الأمريكي للعراق 2003 / الملف النووي الإيراني ) ، أو أفريقيا لعقود عديدة. وفي هذا السياق يحق لنا التساؤل عن دور المجتمع الدولي على حد تعبيرهم الذي عجز، إلى حد الآن، في ردم الهوة المتسعة بين دول الشمال والجنوب وتوفير الاحتياجات الأساسية للشعوب مثل المياه والصحة وغيرهما. والواقع أن غلبة المصالح الفردية للدول ليست هي ما يعيق انبثاق مجتمع دولي حقيقي، بل إن غياب رؤية بعيدة المدى هي ما يحول دون ذلك، وشيوع تلك النظرة الواهمة لدى البعض بأنهم قادرون على فرض وجهات نظرهم على الآخرين حتى ولو كانوا أقلية على الساحة الدولية. و أخيراً لا يمكن لمجتمع دولي حقيقي أن يتبلور ويضطلع بدوره من دون علاقات دولية قائمة على التعددية واحترام آراء الدول الأخرى باعتبارها رؤى مشروعة من دون أن ننسى ضرورة تغليب المصلحة العامة على ما سواها. و الأهم من ذلك ألا تحتكر دولة، أو مجموعة صغيرة من الدول دون غيرها تحديد المصلحة الدولية العامة والسعي إلى فرضها.

الـــحــواشـــــــي
(1) ثامر كامل الخزرجي ، العلاقات السياسية الدولية : و إستراتيجية إدارة الأزمات ، دار مجدلاوي للنشر والتوزيع ، عمان 2005 ، ص47 .

(2) ممدوح محمود منصور ، سياسات التحالف الدولي : دراسة في أصول نظرية التحالف ودور الأحلاف في توازن القوى واستقرار الأنساق الدولية ، مكتبة مدبولي ، القاهرة 1997 ، ص 6 .

(3) إسماعيل صبري مقلد ، العلاقات السياسية الدولية : النظرية والواقع ، جامعة أسيوط ، أسيوط2004 ، ص31

(4) مرجع سابق ، ص34

(5) ثامر كامل الخزرجي ، العلاقات السياسية الدولية ، ( م . س . ذ ) ، ص 52 .

(6) مرجع سابق ، ص 57 .

(7) قدري محمود إسماعيل ، الاتجاهات المعاصرة وما بعد المعاصرة في دراسة العلاقات الدولية ، أليكس لتكنولوجيا المعلومات ، الإسكندرية 2004 ، ص89 .

(8) مرجع سابق ، ص90.

(9) مرجع سابق ، ص 92 .

(10) ممدوح محمود منصور ، سياسات التحالف الدولي ، ( م . س . ذ ) ، ص11

(11) محمد طه بدوي وآخرون ، مقدمة إلى العلاقات السياسية الدولية ، أليكس لتكنولوجيا المعلومات ، ط2 ، الإسكندرية 2004 ، ص3 .

(12) مرجع سابق ، ص5

(13) محمد محمود ربيع و إسماعيل صبري مقلد ، موسوعة العلوم السياسية ، جامعة الكويت ، الكويت 1994 ، ص 623 .

(14) انظر في هذا المضمون :
Toma , P. & Gorman , R., : International Relation : Understanding Global Issues (Books / Cole Pub. Co., California , 1990 ) , p.24.

الأحد، 30 أغسطس 2009

ما المقصود بالفوضى الدولية

* أولاً:التعريف بظاهرة الفوضى الدوليةInternational Anarchism
يراد باصطلاح الفوضى الدولية " الحالة التي تكون فيها كل دولة قانوناً بالنسبة إلى ذاتيتها، وتعد كل دولة فيها القاضي الذي يحكم في قضاياها والحفاظ على مصالحها القومية والملتزمة بتغليب هذه المصالح ووضعها موضع التنفيذ بشتى الطرق و الأساليب، فالمصلحة القومية ، وان كانت تمثل أهم وأكبر أهداف السياسة الخارجية لكل وحدة دولية فهي في حالة الفوضى تمثل أسمى واجب أخلاقي يقع على عاتق الدولة والحكومات " .
إن اصطلاح الفوضى الدولية يعني أن هناك انهياراً في التوازن داخل الأنساق الدولية، فالتوازن في الأنساق الدولية هو جوهر هذه الأنساق، وهذا الانهيار يعني أيضاً انهيار بالعلاقات الدولية، فالنسق الدولي – وهو صورة منتظمة للعلاقات بين العديد من القوى يرفض بطبيعته هذه نقيضين متطرفين يقف هو في وجه كل منهما على السواء، . إن أية مجموعة من قوى فردية – في غيبة حكم أعلى – لا يتصور لها إلا أن تسقط في فوضى مطلقة ، ومن ثم فلا نسق ، و إما أن تنتهي الحرب الدائمة بين القوى الفردية إلى إمبراطورية عالمية Universal Empire ومن ثم فلا نسق دولي أيضاً ، وبين هاتين الصورتين تقع صورة النسق الدولي ، ذلك بأن النسق هو مفهوم لصور المجموعات الدولية المتوازنة القوى توازناً يمكن لانتظام علاقاتها بمنأى عن حالة الفوضى من ناحية ، وفي وجه كل متطلع إلى الإمبراطورية العالمية من ناحية أخرى .
إن إعطاء تعريف لظاهرة الفوضى الدولية يدخلنا بصورة كلية في خضم موضوع التعريف بالحرب باعتبارها ظاهرة أيضاً ، فما الفوضى الدولية إلا نوع ضخم من الحروب . والفوضى الدولية هي نوع من الحروب الدولية التي تتعدى في خصائصها ومظاهرها التي تشمل العالم كله ظاهرة لحرب المحدودة ، والحرب هي حالة متكاملة ، لا تأخذ أبعادها إلا إذا كانت حرباً حقيقية ، وهي تلك الحرب التي تندفع الدول المشاركة فيها إلى ما أسماه الجنرال كارل فون كلاوزفيتز " التصعيد إلى الحد الأقصى " لذا، فان القدرة على خوضها حكر على الدول الغنية الصناعية التي تتمتع بإمكانيات كبيرة ، أي على الدول المؤهلة بذل جهود كبيرة من أجل النصر . ويتطلب التصعيد إلى الحد الأقصى أيضاً متابعة القوات المشتركة في القتال" .
إن التفسير العلمي للعلاقات الدولية إنما يبدأ دائماً من إن هذه العلاقات هي عمل من إعمال فرض الإرادة في أي مرحلة من مراحلها سواء في فترة السلم أو في فترة الحرب ، ومن البديلين الحرب والسلام يمكن تصوير هذه العلاقات على أنها عمل من أعمال فرض الإرادة تستهدف به إكراه الخصم على تنفيذ إرادتنا ، وهو ما يجعل من الحرب أصل لهذه العلاقات (1) .
إن العلاقات الدولية هي تعبير آخر لنظام الدولة الفوضوي Anarchy والذي يتألف من دول مترابطة نسبياً ولكن لا تحكمها حكومة واحدة ، وتعني الفوضوية " رفض السواد الأعظم الامتثال لأي نظام ما "، وارتباطاً بالمدخل الواقعي لفهم السياسة الدولية يرى أصحاب المدرسة الواقعية أن احتمالات الحرب في الأنظمة الفوضوية تدفع الدول إلى الحفاظ على الجيوش في أوقات السلم ، فالعلاقات بين الدول مثل كرات البلياردو تتجنب بعضها البعض في محاولة للحفاظ على توازن القوى ، إن هذا المدخل هو مدخل يرى في الحرب عملاً من طبيعة البيئة الدولية كما سنوضح لاحقاً .
* ثانياً : الاتجاهات المختلفة في تفسير ظاهرة الفوضى الدولية :
هناك منهجان رئيسيان يتنازعان دراسة ظاهرة الفوضى الدولية، منهج الدراسة التاريخية ( الوقائعية البحتة ) التقليدية والتي ترى في الحرب مجرد عمل من أعمال الحاكمين ، ومنهج علم الاجتماع الذي يرى في الحرب ظاهرة اجتماعية تكمن حقيقتها في طبيعة علاقاتها بغيرها من الظواهر ، وارتباطاً بذلك تبدأ دراسة الحرب – لدى المدرسة التاريخية – من فرض مضمونة أن الحرب عمل إرادي بحت ، بينما تبدأ مدرسة علم الاجتماع هذه الدراسة من فرض قوامة أن الحرب ظاهرة اجتماعية .
والحق أن دراسة الفوضى الدولية إنما يرتد أصلها إلى علم الاجتماع وفرضه الشهير بأن الحرب ظاهرة اجتماعية ، فالفوضى الدولية التي نحن بصددها ما هي إلا صورة أخرى من صور التوترات الدولية المفضية إلى الحرب ، وهذه التوترات تحدث نتيجة لطبيعة البيئة الدولية ، ولطبيعة علاقة المجتمعات أيضاً .
و بذلك فان الفوضى الدولية من حيث أنها ظاهرة دولية جوهرها قابعاً في طبيعة البيئة الدولية، فالعلاقات الدولية هي علاقات قوى فردية في عينة حكم أعلى تعتمد كل قوة فيها على قدراتها الذاتية – من أجل تحقيق مصالحها القومية. و هذه القوى قد تتعاون ولكنها لا تتكامل تبعاً لعينة ظاهرة الاحتكار الفعلي والشرعي لأدوات العنف في البيئة الدولية .
مما لاشك فيه أن علم العلم العلاقات الدولية علم حديث نسبياً ، وأرسيت قواعده غداة الحرب العالمية الأولى في ما وراء الأطلنطي ، وتطور بسرعة مدهشة ، لاسيما في السنوات التي أعقبت الفوضى التي صاحبت النزاع العالمي الثاني . ونظراً لكثرة الاختصاصيون من أصحاب الكفاءات ، فان الخلافات العقائدية والتناقضات الفكرية ، والمجادلات ، حول المعنى والمضمون واختلاف زوايا الرؤيا ، حتمية . و إن النقاش حول هذا الأمر ظل مفتوحاً بسبب ما يتبناه أنصار الواقعيين بوجه المثاليين ، والمتشائمين بوجه المتفائلين ، ومعارضة القدماء للمعاصرين ، فالأولون يعتبرون أن المجتمع الدولي ( سواء اتفقنا مع التسمية أو لا ) يبقى، بالمقارنة مع المجتمعات الوطنية، مجتمعاً فوضوياً تماماً، بينما يعتبر الآخرون، بالعكس، إن الواقع الدولي أو البيئة الدولية بيئة منظمة بذات درجة المجتمعات والبيئات الأخرى ولذلك ذهب أنصار هذا الاتجاه بتسمية ( المجتمع الدولي ) ، ويتمثل الخلاف بين هذين الاتجاهين بهذا السؤال : هل البيئة الدولية تتمثل بأنها حالة فطرية أم جماعة دولية ؟ (2) .
* ثالثاً : هل الواقع الدولي ( فوضوي ) أم ( مُنظم ) ؟
1. نظرية حالة الفطرة ( المدرسة الواقعية ) Realism :
يرى أنصار هذه النظرية أن انهيار البنيات الإقطاعية، كان قد أدى في نهاية العصر الوسيط، إلى تداعي الوحدة القانونية و المعنوية التي كانت تتصف بها المسيحية . إلا أن الفراغ الذي قام من جراء هذا الأمر ، لم يستمر طويلاً بسبب نمو الدولة الوطنية الملكية الكبرى التي كانت تعتبر نفسها سيدة ولا تعترف بأية سلطة فوق سلطتها . وبما أنها كانت ترفض الخضوع لقواعد سلوك مشتركة، ومشغولة فقط بالدفاع عن مصالحها وبالرغبة في توسيع نفوذها ، فإنها كانت تعيش في جو دائم من العداء والمنافسة وأن شريعة الغاب هي التي تحكم العلاقات بين هذه الدول، حيث كان القوي يفرض إرادته على الضعيف .
وقد ذُكرت حالة الفطرة الفوضوية ، المتعلقة بالواقع الدولي لأول مرة في كتاب "توماس هوبز" المسمى ( لولفياتان ) ، ومن ثم بصورة أكثر عمقاً عند " جان جاك روسو " ( حالة الحرب ). ولكن مفهوم ( العالم الفوضوي ) يرجع في الواقع إلى مؤرخ يوناني شهير هو " تيو سيديد " وينسب هذا المؤرخ إلى أحد الاستراتيجيين العسكريين القدماء مقولة : (إن الحرية مع الجيران، يجب أن تتقلص دائماً إلى القدرة على مواجهتهم ) .
ويمكن تلخيص ما ابتدعه "هوبز" في نظريتة عن حالة الفطرة على الوجه التالي : أن ثمة تناقضاً جذرياً بين البيئة الدولية والبيئات الوطنية. إذ كان الناس يعيشون في هذه الأخيرة في حالة الفطرة بسبب غياب السلطة المنظمة، وبسبب صراعهم المستمر بين بعضهم البعض، فإنهم لم يعرفوا لا سلما ولا أماناً. وللخروج من هذا الوضع، والدخول في مرحلة الجماعة، قرر هؤلاء الناس توقيع ميثاق، أو عقد اجتماعي يقومون بموجبة بإعطاء سلطة عامة لأمير أو مجلس ، وهكذا، وبتخلي كل مواطن عن حريته للسلطة المؤتمنة على السيادة، فانه ضمن لنفسه بالمقابل ، النظام و الأمان . وبالطبع فان المقصود هنا هو رسم نظري، وبناء فكري هدفه تقديم تفسير عقلاني لعملية تكوين السلطة السياسية في البيئة الوطنية. وقد طبقت هذه الصورة على الروابط الدولية التي لم تخرج بعد ، بحسب " توماس هوبز "، ومن مرحلة الفطرة حيث يقول : ( إن الملوك والأفراد هم ، بسبب استقلالهم وسلطتهم السيدة، في شك دائم ، وفي وضع المصارعين الذين يشهرون سلاحهم ويراقبون بعضهم البعض . و أعني هنا القلاع والحاميات، والمدافع المركزة على حدود ممالكهم، والجواسيس الموجودين باستمرار عند جيرانهم، أي كل هذه الأشياء التي تشكل حالة الحرب. وسيبقى هذا الأمر طويلاً، طالما أن الدول المستقلة لم توقع ( عقداً اجتماعيا عالمياً ) لتخلق حكومة عالمية، وحيدة وسيدة ، ولا يجوز إذاً ، خلط السياسة الخارجية مع السياسة الداخلية، لأن العلاقات بين الدول ترتكز على علاقات قوة، وليس علاقات حق : فهي تخضع للعبة المصالح الوطنية، وان البيئة الوطنية ( أو المجتمع الوطني ) كامل ونظم، بينما الواقع الدولي ( البيئة الدولية ) فوضوي ومجزأ .
وتكمن الأهمية في نظرية " هوبز " في كثير من المؤلفين القدماء و المعاصرين قد أعادوا استخدام هذا المفهوم الواقعي المتشائم، ففي القرن السابع عشر استخدم " جون لوك " في كتابة ( بحث حول الحكومة المدنية ) نفس مفاهيم هوبز ( حالة الفطرة – عقد اجتماعي ...الخ ) . وفي القرن الثامن عشر ، " جان جاك روسو " في كتاب ( أميل ) و ( تأملات حول حكومة بولونيا ) ، وكذلك " ايمانويل كانت " في كتابة ( بحث حول السلام الدائم ) ، كما اتخذ " هيجل " ذات الموقف في القرن التاسع عشر ، أما في القرن العشرين فان المفكرين الذين يعتبرون البيئة الدولية فوضوية لم يختفوا بعد . وقد استمر بعدهم كثير من المؤلفين المعاصرين، وعلماء السياسة و الاجتماع والقانون، وبالرجوع إلى حالة الفطرة ، ونذكر هنا منهم على سبيل المثال لا الحصر" هانس جي مورجانثو "، و " ستانلي هوفمان " في الولايات المتحدة الأمريكية، و " ريمون آرون "، و " جورج بيردو " في فرنسا .. بيد أن السؤال الذي يبقى ملحاً هو : هل لا تزال تنسجم هذه الرؤية مع الوقائع الدولية ؟ ، لاشك أن بعض المفكرين لا يتفقوا مع هذه الرؤية ويقترحوا نظرة أكثر تفاؤلاً (3).
وبناءا على العرض السابق ، فقد توصلنا لعدة مقدمات فكرية نستشف منها الآتي :
· الوحدة الأساسية في التحليل هنا هي الدولة ، فالعلاقات السياسية الدولية سميت بالدولية لأنها تتم بين دول ، وبذلك فالدولة هي الوحدة الأساسية في التحليل .
· على قمة أجندة العلاقات الدولية هنا " فكرة الصراع الدولي " وتبادل التأثير والتأثر " من ثنايا مفهوم النسق .
· مجمل الصراع يتم من ثنايا فكرة " المصلحة " .
· على قمة " فكرة المصلحة " فكرة المصلحة القومية ، وتمثل فكرة الأمن القومي فكرة المصلحة .
· الأداة العسكرية هي الأداة الرئيسية في إدارة العلاقات الدولية .
· جاء هذا الاتجاه بفكرة رشد الدولة.
· نية الحرب (4).

2. نظرية ( الجماعة الدولية ) الحديثة أو ( المدرسة المثالية ) :
جاءت هذه النظرية كرد فعل على النظرية السابقة ، ويؤكد أنصار هذه النظرية أن عناصر التضامن ، والمصالح المشتركة بين أطراف اللعبة الدولية هي أكثر أهمية من عناصر الشقاق أو التناقض. وبحسب رأيهم فان البيئة الدولية ليست فوضوية بل هي بيئة منظمة أو في طريقها للتنظيم ، متلاحمة البنيان والنظام وتشكل ( جماعة دولية ) يمكن أن تفضي أما إلى دولة عالمية مقبلة، و إما إلى فيدرالية عالمية .
ويقوم الوضعيون من رجال القانون بإبراز البيئة الدولية كتركيب لدول سيدة ومتساوية، والقانون الدولي العام وكأنة مصمم ( كقانون بين الدول ) . وهذا لا يعني أبداً غياب النظام القانوني، وإنما ارتكاز هذا الأخير وبكل بساطة على موافقة الشركاء القانونيين الصريحة. أما العلاقات بين الدول، فإنها علاقات تعاقدية : أي أن ما تصنعه إرادة ما يمكن أن ترفضه أخرى ، وتكون البيئة الدولية بهذا الشكل، مجتمعاً ترابطياً وليس مؤسسياً.
وحديثاً حاول بعض علماء السياسة و الاجتماع طرح العلاقات الدولية من زاوية جديدة، أي بعبارة ( الأنساق ) . ونذكر من بينهم أعمال " بيرتون " ، " كابلان "، " مارسيل مرل " ، " كالتونغ ".
و يتطلب مفهوم النسق وجود علاقات بين العناصر التي تشكل جزء من نفس المجموعة. وتأخذ هذه العلاقات شكل المواصلات، الاتفاقات، المبادلات، وغيرها من الروابط . وقد أُدخل مفهوم النسق ( والبعض يطلق عليه النظام ) في العلوم الاجتماعية عن طريق الأمريكي " تالكوت برسونز " المتأثر بالاقتصادي" بارتيو "وكان الأمريكي " ديفيد استون" أول من استخدمه في علم السياسة ، وبحسب ( المفهوم النسقي ) ، فان المجموعة الدولية تؤلف نسقاً شاملاً للتفاعلات التي تكون الدولة عناصرها الأساسية ، ولكن ليست الوحيدة ، كما يشكل الواقع العالمي الحالي وحدة عضوية بسبب التدخلات المعقدة القائمة على كافة المستويات وفي كل الميادين. ولعل من الأهمية بمكان ملاحظة أن التطور الهائل للمبادلات، و الإعلام، و الاتصالات، في العصر الحديث وكذلك التطورات المتسارعه في طبيعة هذه الأشياء قد أدت جذرياً إلى تغيير مضمون العلاقات الدولية، ولم تعد دراستها مقصورة فقط على الأمن ، وقضايا الحدود ولعبة التحالفات ، بل أصبحت تهتم بقضايا أخرى عديدة مثل : تطوير العلاقات الاقتصادية ، المالية، النقدية، حقوق الإنسان، البيئة، التلوث، الديمقراطية، مكافحة الإرهاب، أسلحة الدمار الشامل، .... الخ ، وفي أية حال ، لم يعد بإمكان الاختصاصيين وقف أبحاثهم على نسق وحيد للعلاقات الدولية. لأنهم فهموا أن عليهم إذا أرادوا شرح سير البيئة الدولية ، إعادة وضعه في محيطة العام .
و باختصار، فان من المهم الإشارة إلى إن ( المفهوم النسقي ) يجدد كلياً المفهوم الكلاسيكي للعلاقات الدولية ويشكك مباشرة بصحة نظرية الفوضى القديمة . ولم يثبط فشل عصبة الأمم وهيئة الأمم المتحدة من عزم مؤيدي النظام القانوني العالمي. ويؤيد البعض (الوظيفة الدولية) ويعتقد بأن إعطاء حد أقصى من الصلاحيات التقنية إلى المنظمات العالمية سيؤدي تدريجياً إلى إفراغ السيادة الوطنية من محتواها، و أن مضاعفة وزيادة روابط التعاون بين الأمم ، في الميادين الاقتصادية ، الثقافية ، العلمية، .... الخ ، أي بتقليل قيمة السيادة الحكومية بالنتيجة – سيدفع الإنسانية لوعي وحدتها، ويمكن حينذاك الانتقال من عالم إلى عالم دولة العالم (5).
وبناءا على العرض السابق، فقد توصلنا لعدة مقدمات فكرية أيضاً نستشف منها الآتي :
· الدولة ليست هي الوحدة الأساسية في التحليل .
· الصراع ليس أساس في العلاقات الدولية ، بل التعاون والتكامل .
· على قمة أجندة العلاقات الدولية فكرة " المصلحة "، وعلى قمة فكرة المصلحة فكرة " الأمن " .
· الأداة الاقتصادية هي الأداة الرئيسية في العلاقات الدولية ، والحرب بذلك ليست حتمية، مما مهد لظهور فكرة " الأمن الجماعي " التي انبثقت منها المنظمات الدولية ، ثم أضيفت لها مفاهيم أخرى تعبر عن التعاون والتكامل والاندماج الإقليمي والدولي(6) .
ويبقى السؤال الأهم هو أي واحدة من النظريتين – نظرية ( الفوضى ) ونظرية ( الجماعة ) – أكثر قرباً من حقيقة الواقع المعاصر؟ الجواب ببساطة هو أن هاتين النظريتين بالرغم من كونهما متطرفة، تشتملان على جزء من الحقيقة ، ويذهب بعض المختصين إلى ثمة مكان بين التشاؤم و التفاؤل ، لطرح وسطي أو بالأحرى لموقف وسيط هو : الموقف الواقعي ، بمعنى أن البيئة الدولية تقوم في وسط الطريق بين الجماعة والفوضى ، وطبيعتة مختلفة : فهي تبرز مواصفات منظمة وغير منظمة . وهذا يعود لكونه موضوع تناقضات عديدة (7) .

الحـــواشــــي
(1) قدري محمود إسماعيل ، الاتجاهات المعاصرة وما بعد المعاصرة في دراسة العلاقات الدولية ، أليكس لتكنولوجيا المعلومات ، الإسكندرية 2004 ، ص39- ص69.

(2) إسماعيل صبري مقلد ، العلاقات السياسية الدولية : النظرية و الواقع ، ط4 ، جامعة أسيوط ، أسيوط 2004 ، ص5- ص27.

(3) ثامر كامل الخزرجي ، العلاقات السياسية الدولية وإستراتيجية إدارة الأزمات ، ط1 ، دار مجدلاوي للنشر والتوزيع ، عمان 2005 ،ص47- ص50.

(4) محاضرة مع الدكتور قدري محمود إسماعيل مقرر دراسات متخصصة بالعلاقات الدولية، (غير منشور )، بتاريخ 28/10/2007 لطلبة تمهيدي ماجستير علوم سياسية بجامعة الإسكندرية.

(5) ثامر كامل الخزرجي ، العلاقات السياسية الدولية وإستراتيجية إدارة الأزمات ( م . س . ذ ) ، ص51- ص52 .

(6) محاضرة مع الدكتور قدري محمود إسماعيل مقرر دراسات متخصصة بالعلاقات الدولية ، ( م . س . ذ ) .

(7) إسماعيل صبري مقلد ، العلاقات السياسية الدولية : النظرية و الواقع ، ( م . س . ذ ) ، ص26 .

الأربعاء، 5 نوفمبر 2008

التغيير في أمريكا = التغيير في العالم

لقد فاز باراك أوباما بالانتخابات الرئاسية الأمريكية - 5 نوفمبر2008 - كما هو متوقع للمتابعين لهذه الانتخابات الدراماتيكية ، ومن خلال استطلاعات الرأي التي كانت دوما في صالحه ضد منافسة المسن " ماكين " ، لاشك أن الظروف كانت مواتية لفوز باراك أوباما ، وكانت هذه الظروف لصالحه منذ ترشيحه للرئاسة من قبل الحزب الديمقراطي ، ومن هذه الظروف على سبيل المثال لا الحصر : منذ باديات ترشيح الحزبين ( الديمقراطي والجمهوري ) كانت المنافسة على ترشيح الحزب الديمقراطي على أشدها بين أوباما وهيلاري كلينتون ، لاسيما وأن فوز أحدهما بالترشيح يعتبر تحديا بحد ذاته ، فاذا فاز أوباما فان التحدي والتغيير سيكون بترشيح أمريكي ملون ذي أصول عرقية افريقية ومن جذور اسلامية بذات الوقت ، أما اذا فازت هيلاري فان التحدي يتمثل بترشيح امرأة لكرسي الرئاسة وهذا مالم يتقبله الامريكان حتى الآن ، فكان الترشيح لصالح أوباما . في المرحلة التالية من الانتخابات الامريكية وهي المنافسة بين مرشحي الحزبين ، كان المنافس الجمهوري " ماكين " شخص هرم يبلغ من العمر 72 عاما وفي حاله فوزة فانه سيكون أكبر شخص تولى الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية ، كما أن اختيار ماكين لحاكمة ولاية ألاسكا " ساره بالين " الساذجه سياسيا لمنصب نائب الرئيس لم يكن موفقاً لوجود بعض الفضائح الادارية ابان حكمها للولاية بالاضافة الى ضعفها الخطابي والمعلوماتي والسياسي أثناء المقبلات والحوارات . ولاسيما أن حملة ماكين الانتخابية لم تكن موفقة في مواجهه نجاح حملة " أوباما " الانتخابية والتي كانت مدروسة بكل دقة .

أثناء ذلك وخلال اشتداد المنافسة بين الطرفين ، ظهرت أزمة الرهن العقاري الأمريكية او مايطلق عليها ( الأزمة المالية العالمية الثانية ) والتي من أسبابها الرئيسية الادارة الجمهورية السيئة للبيت الأبيض بقيادة جورج دبليو بوش" الابن" ، وتورط الولايات المتحدة بعدة حروب ( أفغانستان - العراق ) التي امتصت المليارات من الخزينة الأمريكية دون جدوى ، ناهيكم عن اعتماد لغة القوة وتقليبها على الحوار والدبلوماسية بشكل أدى الى تراجع موقع الولايات المتحدة الأمريكية على السُُلم الدولي واصبح العالم يتحدث عن نسق دولي متعدد الأقطاب بعد أن كان أحادي القطبية .

بدى الأمر سهلا أمام " أوباما" في ظل اخفاق الجمهوريين في ادرة البلاد والعالم وتردي الأوضاع الأمريكية في مختلف المجالات خاصة السياسية والاقتصادية ، وبدى الطريق واضحا أمام أوباما تحت شعار " التغيير" وببرنامج انتخابي واضح ، لكن بالمقابل لابد أن نعترف بنجاح " أوباما " الساحق ، وان التغيير بالفعل قد حصل بالولايات المتحدة ، حيث تخطت عقدة " اللون " بمراحل بفضل هذه الانتخابات ، وتوحدت في اختيار رئيسها المحنك والخطابي المتميز ، ولكن هل يطول هذا التغييرفي المزاج الأمريكي العالم ، وهل ستحل القضايا العالقة ولو جزئيا خاصة في الشرق الأوسط ؟ الرئيس أوباما والذي سيستلم مهام حكمة في 20 يناير2009 أمامة الكثير من القضايا الشرق اوسطية العالقة ، اذ لايزال العراق بعد خمس سنوات من الغزو الأمريكي غير مستقر رغم تحسن الأمن وذلك بفضل زيادة مستويات القوات الأمريكية 2007/2008 فهل سيفي أوباما بوعدة في خطاب الفوز بسحب القوات أم لا ؟ ، وهناك ايران وطموحاتها النووية والاقليمية التي فشلت معها كل المحاولات لعزلها وتقويضها فهل سيكون الحل دبلوماسيا أم عسكريا ؟ ، وكذلك الصراع العربي الاسرائيلي والذي يطلق عليه البعض " القضية الفلسطينية " فبعد عام تقريبا من اعادة الرئيس بوش اطلاق محادثات السلام الفلسطينية الاسرائيلية في " أنابولس " صدقت توقعات الكثيرين المتشائمة في ذلك الوقت ، وفشلت المحادثات بين الطرفين فماهو موقف اوباما الذي أيد اسرائيل في حملته الانتخابية؟ . كما لاننسى الملف السوري وتحالف سوريا التقليدي مع ايران وحزب الله المناهض لاسرائيل حيث أبدى أوباما أثناء حملته الانتخابية دعمه للحوار مع سورية واعتبر ذلك عاملاً مساعدا في استقرار المنطقة والعالم .

ومن المحتمل أن يواجه " أوباما " بعض الأزمات في الشرق الأوسط خلاف الأزمات الآنفة الذكر ، فهناك قضية انتقال السلطة في مصر حيث يحكم الرئيس حسني مبارك - البالغ من العمر 80 عاماً - منذ 27 عاما دون خليفة يذكر ، وهناك توترات بي السنة والشيعه وتوترات طائفية أخرى في دول سكانها يتبعون مذاهب وديانات مختلفة مثل العراق ولبنان وسورية وايران ومصر والبحرين . وهناك عدم استقرار في لبنان وهي دولة يقف فيها حزب الله وحلفاؤه بدعم من ايران وسورية في مواجهة ائتلاف يقودة السنة وتؤيده السعودية والغرب . وهناك أيضا عدم استقرار في اليمن وهو بلد فقير ولكنه ذو موقع استراتيجي على البحر الأحمر ومن بين مشكلاته نشاط تنظيم القاعده الملحوظ فيها .

في ظل كل هذه الأزمات الحالية والتحديات المستقبيلة في العالم ، وفي ظل رئيس جديد للولايات المتحدة الأمريكية استطاع ان يغير العقلية والمزاج و التمييز العنصري الأمريكي ، هل يستطيع " براك اوباما" من أن يغيرالعالم ، وتصبح حقبة حكمة وما بعدها تحت اسم ( عالم مابعد أوباما ) ؟